سورة البقرة · الآية ٧٦ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ قَالُوۤا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ لِیُحَاۤجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ٧٦
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

الجزء ١الربع ٥ صفحة ١١

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 76]

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي المنافقون لقوا المخلصين ، ﴿ قَالُوا آمَنَّا ﴾ بأنَّكم على الحقَّ ﴿ وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إِلَى بَعْضٍ ﴾ الذين نافقوا ﴿ قَالُوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ ﴾ أتخبرون أصحاب محمَّد ، ﴿ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ ممَّا بيَّن لكم في التوارة من صفة محمد ، ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ ليحتجَّوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه ، ﴿ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم تتابعونه . ﴿ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣

[سورة البقرة — آية 76]

قوله : ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا ﴾ وهم اليهود ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ أي بما بيّن الله لكم في كتابكم من بعث محمد عليه السلام . ﴿ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ . فما يسرون : مما قال اليهود بعضهم لبعض ، وما يعلنون : إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا . وقال بعضهم : ما يسرّون كفرهم بمحمد وهم يجدونه مكتوباً عندهم .

وقال مجاهد : هذا حين شَتَمهم النبيُّ وقال : يا إخوة القردة والخنازير قالوا : من حدّثه بهذا؟ .

قال الكلبي : قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابكم من أمر نبيهم ثم لا تتبعونهم ولا تدخلون في دينهم؟ فهذه حجة لهم عليكم ليحاجوكم بها عند ربكم . قالوا وهم يتلاومون : أفلا تعقلون . يقول الله لنبيه : أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون . وهذا قول علمائهم ، وهم الذين كتموا وكذبوا فاتَّبَعتهم السوقة .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣

[سورة البقرة — آية 76]

﴿ وَإِذَا لَقُوا ﴾ أى اليهود ، إذ القائل منهم ، لا كل فرد ، أو إذا لقى منافقوهم ، والمراد أشرار علمائهم ، ومن معهم من العرب كعبد الله بن أبى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا قَالُواْ ءَامَنَّا ﴾ بمحمد رسولا مبشراً به فى التوراة ، وأنكم على الحق فى اتباعه ، وهذا إلى قوله ، أفلا تعقلون داخل فى توبيخ المؤمنين على الطمع فى إيمانهم ، أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا . . . إلخ ، وإما وبخهم على ذلك الطمع ، لأن الطمع تعلق النفس بإدراك المطلوب تعلقا قويا ، وهو أشد من الرجاء ، فشدد عليهم فيه ، لأنه ربما يؤدى إلى ملاينة لا تجوز ﴿ وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا ﴾ أى رؤساؤهم الذين يصرحون بالكفر ولم ينافقوا ، أى قالوا لمن نافق منهم . قام النبى صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال ، يا إخوان القردة ، يا إخوان الخنازير وعبدة الطاغوت ، فقالوا : ما أخبر بهذا محمداً إلا أحد منكم أتحدثونهم . . . إلخ ، كما قال ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ ﴾ أتحدثون المؤمنين ، وهذا توبيخ على ماض مستمر ، فهو موجود فى الحال إذ اعتقدوا أن منافقيهم لم يقطعوا نياتهم عن التحديث والتوبيخ ، رفع على ماض وحاضر ، أو صورا حالهم الماضية من التحديث بصورة الحاضر ﴿ بِمَا فَتَحَ ﴾ به ﴿ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أنعم به عليكم من العلم برسالة محمد فى التوراة وصفاته ، والإيجاب على الأنبياء أن يؤمنوا به ، أو قضى عليكم به ، أو أنزله عليكم بوساطة موسى ، أو بينه لكم كما يقال : فتح على الإمام ، إذا ذكر ما توقف عنه ، وذلك الأمر قبل بيانه كالشىء المغلق عليه ، وبعد بيانه كالشىء المفتوح عليه ، فذلك إقرار منهم بأن الله قضى عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأنزل عليهم رسالته ، وتفسيره بالإنزال معنوى ﴿ لِيُحَاجُّوكُم ﴾ ليحاجوكم حجّاً عظيما ، والمفاعلة مبالغة ، لا على بابها ﴿ بِهِ ﴾ بما فتح الله عليكم فيغلبوكم ، والللام لام العاقبة مجاز على التعليل ، أى فيكون المآل أن يخاصموكم به ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فى الآخرة ، بأن يشهدوا عليكم بإقراركم بأن الله حكم علينا ، أى قضى بأن نؤمن بمحمد وكتابه فستقام عليكم الحجة بترك اتباعه مع إقراركم بصدقه ، وهو متعلق ليحاجوا ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ عطف على أتحدثونهم ، أو يقدر ، ألا تتأملون فلا تعقلون أنهم يحاجونكم يوم القيامة بأن محمداً رسول الله فى التوراة ، وذلك من جهلهم ، فإنهم يوم القيامة محجوبون بما فى التوراة ، حدثوا المؤمنين به أم لم يحدثوا ، وإن رجعنا هاء به للتحديث ، أى ليحاجوكم بتحدثكم بأن يقول المؤمنون ، ألم تقولوا لنا إن محمداً رسول الله فى التوراة كان المعنى أنه اشتد عليهم أن يحاجوهم بالتحديث ، ولو كانوا لا ينجون مع من قطع العذر ، ولو لم يحدثوهم إلا أنه يضعف رد الهاء للتحديث بقوله :

﴿ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ ﴾ عطف على ما قبل ، أو يقدر ، أيلومونهم ولا يعلمون ﴿ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ﴾ مطلقا ، ومنه إسرارهم الكفر ، وصافت الله ، وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ مطلقا ، ومنه إظهارهم الإيمان فإنه أنسب بردها إلى ما فتح الله ، وأيضاً قد يمكنهم إنكار التحديث ، لا ما فتح عليهم والمشركون قد يحققون ما علموا أن الله عالم به لفرط دهشتهم ، وذلك فى الآخرة ، كقوله تعالى

﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وقوله « أخرجنا منها » وقد علموا فهم لا يخرجون ، فينكرون التحديث ، ولو علموا أن الله عالم به ، ويجوز أن يكون ، أفلا تعقلون كلام الله للمؤمنين ، لا من كلام اليهود ، كما أن ، أولا يعلمون . الآية من كلام الله ، أى أفلا تعقلون أنه لا مطمع فى إيمانهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٣