سورة البقرة · الآية ٨٠ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدࣰا فَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥۤۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ٨٠
الرسم الإملائيّ

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

الجزء ١الربع ٥ صفحة ١٢

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 80]

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً ﴾ أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلاَّ ما قدَّرتموه ، ولعلهم خيلَّ لهم الشيطان أنه لا يعذبهم إلاَّ قدر ما عصوا من تكذيبهم لرسول الله  ثم يخرجون من النار إلى الجنَّة ، ولعلهم أثبتوا الأعمال الصالحة التي عملوها مع كفرهم برسول الله  كما زعم من زعم من أهل القبلة وتأوَّلوا هذا التأويل . ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧

[سورة البقرة — آية 80]

﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ . قال بعض المفسّرين : قالت اليهود : لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم ، عدد الأيَّام التي عبدنا فيها العجل ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر .

قال الله للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله ِمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . أي : إنكم لم تتخذوا عند الله عهداً وإنكم لتقولون على الله ما لا تعلمون .

وقوله : ﴿ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، يعني التوحيد وهو مثل قوله : ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [ سورة ن : 39 ] . وتفسير ذلك في سورة ن .

ذكروا عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خمس صلوات كتبهن الله على عباده ، من جاء بهن تامة فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة . وإن لم يجىء بهن تامة فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه » .

وتفسير مجاهد : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ أي : موثقاً بأنه كما تقولون : ﴿ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

وقال الكلبي : إن اليهود زعمت أنهم يعذَّبون أربعين يوماً عدد أيام العجل الذي عبدوه فيها . فقال الله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ . قال : فإذا أدخلهم الله النار عذّبهم عدد تلك الأيام لكل يوم سنة ، فتلك أربعون سنة ، ثم يُقال لهم : يا أعداء الله ، هذه الأيام قد مضت والأجل الذي قلتم وبقي الأبد ، لا تخرجون منها أبداً؛ فعند ذلك انقطع الرجاء ، وأيقنوا بالخلود في النار ، وقيل لهم :

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني الشرك ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ ثم مات ولم يتب منه ﴿ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبد الأبد .

عن الحسن قال : بلى من كسب سيئة ، سيئة الشرك . وأما قوله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، إِنْ شاء عذَبه وإن شاء غفر له .

قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ قال الحسن : تأمرونهم بما أمرهم الله به ، وتنهونهم عما نهاهم الله عنه . قال : قال لهم نبيهم أمروهم أن يقولوا إن محمداً رسول الله .

قوله : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي كفرتم وجحدتم ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ ﴾ القليل الذين اتبعوا النبي . ﴿ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ عما جاءَ به النبي جاحدون له .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧

[سورة البقرة — آية 80]

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ﴾ كناية عن دخولها ﴿ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أى قليله ، وكان الحساب فى العرب عزيزاً ، فصاروا يعبرون عن القليل بالعدد ، لا يألفهون عد الكثير وقوانين الحساب ، والقائلون لن تسمنا النار إلا أياماً معدودة يهود المدينة ، وهم نشأوا على العربية ، وكلامهم فيها حجة ، فقالوا معدودة مكان قليلة ، وهى مقدار عبادة أبائهم العجل أربعين ، زعموا أن الأربعين مدة جعلها الله عذاباً لآبائهم ولهم ، وقال من قال : نعذبه سبعة أيام عدد الأسبوع ، وأنه سبعة آلاف سنة ، رجع إلى سبعة أيام ، يوم مكان ألف سنة ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ بهمزة مفتوحة ثابتة وصلا ، حتى إنه نقل فتحها اللام فيه ووقفا للاستفهام الإنكارى أو التقريرى على معنى التخطئة ، فهو فى معنى التوبيخ ، أو نزلة منزلة الاستفهام الحقيقى ﴿ عِنْدَ اللهِ عَهْداً ﴾ علماً يوثق به أنكم تعذبون أياماً معدودة ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ﴾ عطف على مدخول الهمزة ، كقوله تعالى ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ وقوله تعالى : ﴿ أفمن وعدناه وعداً حسناً ، فهو لاقيه ﴾ وذلك بمرتبة المضارع المنصوب فى جواب الاستفهام ، إلا أن النصب هنا بلن ، كأنه قيل ، اتخذتم عند الله عهداً فيوفى لكم به ، وينصب يوفى ، ولا حاجة إلى تقدير الشرط هكذا : إن اتخذتم عند الله فلن يخلف الله عهده ، بمعنى أىّ هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم على الله ما لا تعلمون ، خرج ذلك مخرج للتردد فى تعيينه على سبيل التقرير . والنبى صلى الله عليه وسلم عالم بوقوع أحدهما ، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين ﴿ أَمْ ﴾ متصلة عطفت جملة ، لأنه تعطف المفرد والجملة ، أو حرف ابتداء منقطعة بمعنى بل ، وهمزرة الإنكار . وهكذا ما أشبهه ، والمنقطعة حرف ابتداء وإضراب ، وتقدر ببل والهمزة ، أو بل أو بالهمزة ، وإذا كان الاستفهام بعدها فبمعنى بل فقط ، وإذا لم تصلح بل وحدها حمل الكلام على آلهتكم إن قدرت ، كقوله تعالى ﴿ أم كنتم شهداء ﴾ أى بلى كنتم شهداء ، فإنهم لم يكونوا شهداء ، أو يقدر ، بل تقولون عل مقتضى دعواكم ، أنكم كنتم شهداء . ﴿ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ بل أنتم فيه جاهلون من دعوى الخروج من النار ، وتقليل المدة .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٧