سورة البقرة · الآية ٨١ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَیِّئَةࣰ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِیۤءَتُهُۥ فَأُو۟لَٰۤئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَٰلِدُونَ٨١
الرسم الإملائيّ

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

الجزء ١الربع ٥ صفحة ١٢

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 81]

﴿ بَلَى ﴾ إثبات لمَا بعد النفي وهو لن تمسَّنا النار ، أي تمسكم أبدا ، بدليل قوله : ﴿ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ كبيرة وهي ضدُّ الحسنة ، ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ أي استولت عليه واشتملت جملة أحواله حتَّى صارت كالمحيطة به مثل الحائط يستولي على ما فيه ، ومتى أحاطت به خطيئة صار مخذولا مستدرجاً محبوط الأعمال ، فرائضها وفضائلها ، مأخوذا بصغائر الذنوب وكبائرها ، لأنَّه عاص فلا تقوم منه طاعة أبدا إلاَّ أن يتوب . ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٨

[سورة البقرة — آية 81]

﴿ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ . قال بعض المفسّرين : قالت اليهود : لن يدخلنا الله النار إلا تحلّة القسم ، عدد الأيَّام التي عبدنا فيها العجل ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر .

قال الله للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله ِمَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . أي : إنكم لم تتخذوا عند الله عهداً وإنكم لتقولون على الله ما لا تعلمون .

وقوله : ﴿ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، يعني التوحيد وهو مثل قوله : ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [ سورة ن : 39 ] . وتفسير ذلك في سورة ن .

ذكروا عن عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « خمس صلوات كتبهن الله على عباده ، من جاء بهن تامة فإن له عند الله عهداً أن يدخله الجنة . وإن لم يجىء بهن تامة فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء رحمه » .

وتفسير مجاهد : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ أي : موثقاً بأنه كما تقولون : ﴿ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

وقال الكلبي : إن اليهود زعمت أنهم يعذَّبون أربعين يوماً عدد أيام العجل الذي عبدوه فيها . فقال الله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ . قال : فإذا أدخلهم الله النار عذّبهم عدد تلك الأيام لكل يوم سنة ، فتلك أربعون سنة ، ثم يُقال لهم : يا أعداء الله ، هذه الأيام قد مضت والأجل الذي قلتم وبقي الأبد ، لا تخرجون منها أبداً؛ فعند ذلك انقطع الرجاء ، وأيقنوا بالخلود في النار ، وقيل لهم :

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني الشرك ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ ثم مات ولم يتب منه ﴿ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبد الأبد .

عن الحسن قال : بلى من كسب سيئة ، سيئة الشرك . وأما قوله : ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً ﴾ ، إِنْ شاء عذَبه وإن شاء غفر له .

قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ قال الحسن : تأمرونهم بما أمرهم الله به ، وتنهونهم عما نهاهم الله عنه . قال : قال لهم نبيهم أمروهم أن يقولوا إن محمداً رسول الله .

قوله : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أي كفرتم وجحدتم ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ ﴾ القليل الذين اتبعوا النبي . ﴿ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ عما جاءَ به النبي جاحدون له .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٨

[سورة البقرة — آية 81]

﴿ بَلَى ﴾ تمسكم النار مع الخلود فيها ، واحتج عليهم بما قضى فى الأزل وكتب فى اللوح المحفوظ من قوله ﴿ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ ذنباً كبيراً أو صغيراً أصر عليه ، فالسيئة تشمل الشرك وما دونه ، ولا دليل على تخصيص الشرك ، ويدل على ما قلت قوله فى أهل الجنة ، وعملوا الصالحات ، وقومنا مجتمعون معنا على أن الإصر محبط للأعمال الصالحات ، ودعوى أنه يحبط ثواب الأعمال ويبقى ثواب التوحيد ، أو دخول الجنة لا دليل عليها ، والله يقول ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ومن أين لهم أن يقولوا بلا عمل للصالحات ، وحديث دخول الجنة بمجرد التوحيد محمول على ما قبل أن تفرض الفرائض ، وقد قال بهذا بعض سلفهم كما بينته فى وفاء الضمانة بأَداء الأمانة ، ومن شأن السيئة غير المتوب منها أن تجر سيئات ، وهو قوله ﴿ وَأَحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ سيئاته ، أو أشار إلى أنه لما لم يتب عن السيئة لم تغفر له صغائره لإصراره أحدقت به من كل جانب إذا لم يتب منها كلها ، ولو تاب من بعضها ، وقيل : لا يعاقب على ما تاب منه ، وهو قول لا بأس به ، فيحيط به ما لم يتب منه ولو واحدة ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ لا يخرجون منها ، المشركون والفاسقون ، والأصل فى الخلود الدوام ، وحمله على المكث الطويل إنما يصح لدليل ، ولا خلاف فى دوام المشرك فىلنار ، ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذ لم يتخلص منها بالتوبة ، وليس المراد أنها به معنى أنها فى قلبه وجوارحه ، فلا دليل فى الآية على أن الخلود إنما هو لمن عمت قلبه بالشرك لأنا إذا صرنا إلى معنى تعميم البدن بالمعصية ورد علينا أن من جسد الكافر ما لم تصدر منه معصية ، مثل عنقه وأ‘لى صدره إذا لم تصدر منهما .

افتحه في القارئ · صفحة ٨٨