وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّیۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَیۡنَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱلۡبَیِّنَٰتِ وَأَیَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِیقࣰا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِیقࣰا تَقۡتُلُونَ٨٧
الرسم الإملائيّ
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ
الجزء ١الربع ٥ صفحة ١٣
تفسيرها
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ التوارة ، ﴿ وَقَفَّيْنَا ﴾ أتبعنا من القفا ، ﴿ مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ المعجزات الواضحات ، ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ قيل : بجبريل ، لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب ، ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ تعظَّمتم عن قبوله ، ﴿ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٤
قوله : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ ﴾ أي التوراة ﴿ وَقَفِّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ أي اتبعناه بهم ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ ﴾ . قال الكلبي : يعني الآيات التي كان يريهم عيسى من إحياء الموتى ، وما سوى ذلك مما سمّاه الله : ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ أعنَّاهُ ﴿ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ يعني جبريل عليه السلام . الروح جبريل والقدس هو الله . وهو اسم به كان عيسى يحيي الموتى ، وأيّده على عدوهم فأصبحوا ظاهرين على الكفار ، وأيّده بما أتاه من العجائب والآيات .
قوله : ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .
قال الكلبي : لما أنزل الله وآتينا عيسى بن مريم البينات قالت اليهود عند ذلك للنبي عليه السلام : فلا مثل ما جاء به موسى جئتنا به ، ولا مثل ما عمل موسى . كما زعمت عملت ، ولا كما يقص علينا أنبياؤنا فعلت ، قال الله : ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، أي : قتلتم ، فلما قال لهم النبي عليه السلام ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحي من الله عيّرهم بما صنعوا .
﴿ وَقَالُوا ﴾ يا محمد ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ في أكنة لا تعقل ولا تفقه ما تقول ، وكانت قلوبنا أوعية للعلم ، فلو كنت صادقاً سمعنا ما تقول . ذكروا عن الحسن أنه قال : غُلْفٌ قلف لم تختن لقولك يا محمد . وقال ابن مجاهد عن أبيه : غلف أي : في أكنة .
قال الله : ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ . قال بعضهم : قلَّ من آمن من اليهود .
وقال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو آمن بي وصدّقني واتَّبعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلاَّ اتَّبعني » قال كعب : اثنا عشر من اليهود ، ومصداق ذلك في كتاب الله : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ [ المائدة : 12 ] .
وقال بعض المفسِّرين : لا نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي إلا رجل واحد . والحسن يذكر آخر ، ولا ندري من هو .
وقال بعض المفسّرين : في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ القصص : 52 ] ذكروا عن رِفاعة القُرَظي في قوله : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال نزلت في عشرة من اليهود أنا أحدهم . وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو آمن بي واتبعني وصدَّقني عشرة من اليهود . . . » بعد ما أسلم الرجلان اللذان ذكر بعض أهل التفسير ، فيكونون تمام اثني عشر كما قال كعب ، والله أعلم .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٤
﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىلْكِتَبَ ﴾ المعهود التوراة ، أو الجنس ، فيشمل الصحف المنزلة عليها قبلها ﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ التشديد للمبالغة ، والباء للتعدية ، والمفعول محذوف ، أى فقرناه ، بتخفيف الفاء ، بالرسل ، أى تبعناه بالرسل أى اتبعناه الرسل ، وهذا أولى من جعل التشديد للتعدية إلى آخر ، والباء صلة ، أى قفيناه الرسل ، لأن كثرة مجيئه فى القرآن تبعد هذا ، والرسل يوشع وشمويل وشمعون ، وداود وسليمان ، وشعيا ، وأرميا ، وعزير ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، يرنس وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم ، ويقال : عدد الأنبياء بين موسى وعيسى عليهم السلام سبعون ألفا ، وقيل أربعة آلاف ، وكلهم على شريعة موسى عليه السلام ، وبينهما ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة ، ولا حجة لهذه الأعداد ، والعلم عند الله ، ومعنى اتباع الرسل من بعده الإتيان بعده برسول وبآخر بعده ، وباثنين فى زمان وبثلاثة فى آخر ، وما أشبه ذلك من انفراد رسول بزمان ، ومن تعدده فى زمان ، كما مر أنهم قتلوا سبعين نبيّاً فى يوم واحد ، وروى أنه لم يطق موسى أن يحمل التوراة فأعانه الله على حملها بملائكة عدد حروفها ، فلم يقدروا ، فخففها الله بالنقص فحملها ، ويبعد ما قيل : إن المراد بإيتاء التواره إفهامه معانيها له ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ لفظ عيسى سريانى أو عبرانى ، قولان ، كما هو مراد القاموس بأو على عادته ، وليس ترديداً ، أو هو معرب من إيسوع بهمزة بين بين ، أو مكسورة ، ومعناه ، المبارك أو السيد ، وقيل أليشون بالشين المعجمة ، أبدلت سينا ، ومريم بالسريانة الخادم ، سميت لأنها أريد بجنين هوهى أن يكون خادماً لبيت المقدس لو كان ذكراً ، أو معنى مريم العابدة ، والعبادة خدمة لله عز وجل ، وفى لغة العرب : مريم المرأة تحب التكلم مع الرجال وخالطتهم ، وعليه فمعنى مريم المرأة أو عليه فمعنى مريم المرأة التى تحب ذلك ، كقولهم للأسود : كافوراً ، وقيل تتحدث معهم ولا تفجر ، وقيل : من شأن من تخدمها الرجال والنساء أن تتحدث معهم ، فسميت بذلك ﴿ الْبَيِّنَتِ ﴾ المعجزات ، كإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالغيوب ، وليس المراد الإنجيل كما قيل ، لأن اليهود كفروا به ، قائما يقمعون بتلك المعجزات ، والآية فى قمعهم وذكر عيوبهم ، إذ لم يستقيموا مع المعجزات ، لا بالإنجيل لأنه ليس معجزا ، وخص عيسى مع أنه من الرسل بعد موسى لأنه جاء بالإنجيل ناسخاً لبعض التوراة ، فلم يكن كن قبله من أتباع موسى ﴿ وَأَيَّدْنَهُ ﴾ قويناه ﴿ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ جبريل ، يسير معه حيث سار ، مقارنا له من حين ولد إلى أن رفعه الله إلى السماء ، ابن ثلاث وثلاثين سنة ، وسمى جبريل روحا تشبيها بروح الإنسان مثلا فى أن كلا جسم لطيف نورانى ، وأن كلا مادة للحياة ، فما يجيء به جبريل من الوحى لحياة القلوب ، كالروح لحياة الأبدان ، وأضيف للطهر لطهارة عن مخالفة الله عز وجل ، قيل خص ، أى عيسى ، بذلك اللفظ لأنه من ولادته كحاله بعد الرسالة وقيل من بطن أمه ، ولا تقل ، ذلك من إضافة المنعوت إلى النعت ، وأن الأصل الروح المقدسة ، أو ذات القدس ، من إضافة الشىء إلى حال من أحواله ليخص به ، أو ليعرف ، أو يمدح ، أو لنحو ذلك ، أو روح القدس روح من ملك الله ، أو روح عيسى أضيفت للقدس لعظم شأنه ، أو لأنه منزه عن مس الشيطان ، فتنزيهه لروحه ، أو أضيفت إليه لكرامته على الله ، أو لأنه لم يكن فى رحم حيض ، وقيل حاضت حيضتين ، وحملته ذات عشر سنين ، أو ثلاثة عشرة أو روح القدس الإنجيل ، كما قال الله فى شأن القرآن « أوحينا إليك روحا من أمرنا » أو اسم الله الأعظم ، كما أن القدوس اسمه ، وقيل : القدس اسمه .
والاسم الأعظم غيره ، وقيل : إنه اسمه الأعظم الذى كان يحيى به الموتى ، وقيل لأنه قصده سبعون ألف يهودى لقتله ، فطيره الله عنهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ ﴾ أفعلتم ما فعلتم ، أو أكفرتم ، فكلما جاءكم رسول ﴿ بِمَا لاَ تَهُوَى ﴾ تحب ﴿ أَنْفُسُكُمْ ﴾ من الحق ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أى تكبرتم كل وقت مجىء رسول بما لا يوافق هواكم عن اتباعه ﴿ فَفَرِيقاً ﴾ منهم ﴿ كَذَّبْتُمْ ﴾ كعيسى ، وقدم التكذيب لأنه عام منهم لمن لم يقتلوه ولمن قتلوه ، ولأنه سبب للقتل ﴿ وَفَرِيقاً ﴾ منهم ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ تحقيقاً كيحيى وزكريا ، وفى قتل زكريا خلاف ، أو حكما كما قصدوا قتل عيسى فخابوا ، والمراد قتلتم ، ولكن المضارع تنزيل لما مضى من القتل منزلة الحاضر المشاهد ، أو الموجودين الآن منزلة من مضى وحضر ، لأن مشاهدة الشىء أقوى ، وخوطبوا بالقتل والتكذيب لرضاهم عن آبائهم الفاعلين لذلك ، ولأنهم يحاولون قتل النبى صلى الله عليه وسلم بإلقاء الصخرة ، وبسمّ الشاة ، قال صلى الله عليه وسلم : « ما زالت أكلة خيبر تعادينى أو تعاودنى ، فالآن قطعت أبهرى » ، فمات بقتلهم ، والجملتان عطفتا على استكبرتم لا على أيدنا كما أجازه بعض ، وقدم فريقا فى الموضعين على طريق الاهتمام ، والتشويق إلى ما بعد ، وكذا تقو . بالتشويق فى سائر القرآن ، إذا صح المقام له ، وقلت على طريق ، لأن الله عز وجل منزه عن الاهتمام ، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه ، ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٤