وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِیلࣰا مَّا یُؤۡمِنُونَ٨٨
الرسم الإملائيّ
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ
الجزء ١الربع ٥ صفحة ١٣
تفسيرها
﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ جمع غلف ، أي هي خلقة مغشَّاة بأغطية لا يتوَّصل إليها ما جاء به محمدٌ ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف ، وقيل : قلوبنا أوعية لكلِّ علم فلا تحتاج إلى علمك . قال الكلبيُّ << معناه أوعية لكلِّ علم فلا تسمع حديثا إلاَّ وعته إِلاَّّ حديثك لا نعقله ولا نعيه ، ولو كان فيه خير لوعته وفهمته >> . ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ (لعلهُ) طردهم وأبعدهم عن خير الدارين ، ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ فرد الله عليهم أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك ، لأنهَّا خلقت على الفطرة والتمكُّن من قبول الحق ، بل إنما طردهم عن رؤية الحقِّ كفرهم وزيغهم فصار ذلك حجاباً على قلوبهم كما قال : ( بل رآن على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) . ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ منهم ، ﴿ مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أو فإيمانا قليلا يؤمنون أي غير خالص ، كما قال : ( ولا يذكرون الله إِلاَّ قليلا ) أي غير خالص ؛ وقيل : إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض ؛ وقيل : << غُلفٌ >> تخفيف << غُلفٌ >> وقرئ به جمع غلاف ، أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ، أو أوعية للعلم فلو كان ما جئت به حقا لقبلنــا .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥
قوله : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ ﴾ أي التوراة ﴿ وَقَفِّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ أي اتبعناه بهم ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ ﴾ . قال الكلبي : يعني الآيات التي كان يريهم عيسى من إحياء الموتى ، وما سوى ذلك مما سمّاه الله : ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ أعنَّاهُ ﴿ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ يعني جبريل عليه السلام . الروح جبريل والقدس هو الله . وهو اسم به كان عيسى يحيي الموتى ، وأيّده على عدوهم فأصبحوا ظاهرين على الكفار ، وأيّده بما أتاه من العجائب والآيات .
قوله : ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .
قال الكلبي : لما أنزل الله وآتينا عيسى بن مريم البينات قالت اليهود عند ذلك للنبي عليه السلام : فلا مثل ما جاء به موسى جئتنا به ، ولا مثل ما عمل موسى . كما زعمت عملت ، ولا كما يقص علينا أنبياؤنا فعلت ، قال الله : ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ، أي : قتلتم ، فلما قال لهم النبي عليه السلام ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحي من الله عيّرهم بما صنعوا .
﴿ وَقَالُوا ﴾ يا محمد ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ في أكنة لا تعقل ولا تفقه ما تقول ، وكانت قلوبنا أوعية للعلم ، فلو كنت صادقاً سمعنا ما تقول . ذكروا عن الحسن أنه قال : غُلْفٌ قلف لم تختن لقولك يا محمد . وقال ابن مجاهد عن أبيه : غلف أي : في أكنة .
قال الله : ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ . قال بعضهم : قلَّ من آمن من اليهود .
وقال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو آمن بي وصدّقني واتَّبعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلاَّ اتَّبعني » قال كعب : اثنا عشر من اليهود ، ومصداق ذلك في كتاب الله : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ [ المائدة : 12 ] .
وقال بعض المفسِّرين : لا نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي إلا رجل واحد . والحسن يذكر آخر ، ولا ندري من هو .
وقال بعض المفسّرين : في قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ القصص : 52 ] ذكروا عن رِفاعة القُرَظي في قوله : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ قال نزلت في عشرة من اليهود أنا أحدهم . وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو آمن بي واتبعني وصدَّقني عشرة من اليهود . . . » بعد ما أسلم الرجلان اللذان ذكر بعض أهل التفسير ، فيكونون تمام اثني عشر كما قال كعب ، والله أعلم .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥
﴿ وَقَالُوا ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به صلى الله عليه وسلم ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف ، كحمر جمع أحمر ، طبعت على أن لا يصل إليها ما يذكر لها من الوعظ والأمر والنهى ، كشىء متعظ أغلف بغطاء حسى ، فالآية تشبيه أو استعارة ، كما فى زيد أسد ، ولا يوجد فى اللغة الغلفة بمعنى الرين حقيقة ، بل مجاز ، كما أريد فى الآية ، والرين وقع فى قلوبهم تحقيقا ، وكذبوا فى قولهم خلقت لا يصل إليها ذلك ، لأنهم متمكنون من الفهم ، وأعرضوا كل مولود يولد على الفطرة ، فذلك الإعراض كان به الرين ، وبعضهم فهم الحق وجحد ، وذلك الجحود ، وذلك الفعل رين مانع عن النظر والقبول ، وترك الجحود ، أو جمع غلاف . فأصله ضم اللام سكن تحقيقا ككتاب وكتب ، أى أوعية للعلم ، فلو كان قولك حقا لوعته ، أو استغنينا بما فيها من العلم بالتوراة ، أو بسلامة الفطرة عن غيره ، كما يمنع الغلاف الزيادة ﴿ بَلْ ﴾ أى ليس كما قالوا من الخلقة على عدم الفهم ، أو امتلائها علما ، ومن عدم حقية ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لَّعَنَهُمُ اللهُ ﴾ أبعدهم بالخدلالن عن القبول ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أى بكفرهم السابق الذى جر إليهم قولهم ، قلوبنا غلف ، ولم تأبه قلوبهم لعدم كونه حقا ، فإنه حق ، ولكن خذلهم الله عز وجل ، أو أبعدهم عن رحمته بكفرهم هذا الذى هو قولهم قلوبنا غلف ﴿ فَقَلِيلاً مَّا ﴾ صلة لتأكيد القلة ﴿ يُؤمِنُونَ ﴾ أى يؤمنون إيماناً قليلا جدا ، لقلة ما آمنوا به ، أو لقلة من آمن ، أو زمانا قليلا ، فإن قله ما آمنوا به قلة لزمان يوقع فيه الإيمان ، ولو كثر ما أومن به لكثر زمان الإيمان ، إذ تنزل الآية فيؤمنون بها ، وتنزل الأخرى فى زمان فيؤمنون ، وهكذا ، وقلة من أمن من قلة الزمان إيقاع الإيمان ، إذ لو كثر من آمن لوقع إيمان هذا فى زمان ، وهذا فى زمان آخر ، وهكذا ، فتكثر أزمنة إيقاع لإيمان ، وأما قولهم آمنوا بالذى أنزل على الدين آمنوا وجه النهار . . . أو أراد بالذلة النفى ، كما جاء أنه صلى الله عليه وسلم يقل اللغو ، ولا مانع من ذلك ، وقيل : المراد إيمانهم حال الاحتصار تخقيقاً ، لكن لا يقبل .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٥