سورة البقرة · الآية ٩ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
یُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَمَا یَخۡدَعُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ٩
الرسم الإملائيّ

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

الجزء ١الربع ١ صفحة ٣

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 9]

﴿ يُخَادِعُونَ اللّهَ ﴾ يظهرون غير ما في نفوسهم ، فالخداع إظهار غير ما في النفس .

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المشَّبه بمعاملة المخادعين ، لأنَّ ضررها يلحقهم ، وحاصلُ خداعهم وهو العذاب في الآخرة يرجع إليهم ؛ فكأنَّهم خدعوا أنفسهم . والنفس ذات الشيء وحقيقته ، والخداع من الله في قوله ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ أي يظهر لهم ويجعل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغَّيب عنهم من عذاب الآخرة ؛ وقيل : أصل الخداع الفسادُ ، معناه يفسدون ( لَعَلَّهُ ) ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر ؛ ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ : ( لَعَلَّهُ ) أي يفسد عليهم ( لعلَّه ) يعني في الدنيا ، لما (لعلَّه) يصيروا إليه من عذاب الآخرة . ثم قيل : للقلب والروح << النفسُ>> ، لأنَّ النفس بهما ، وللدم نفس ، لأنَّ قوامها بالدم ، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه ؛ والمراد بهما بالأنفس هاهنا ذواتُـهم ، والمعنى : لُمِخـادعتهم ذواتِهم ، لأن الخداع لاصقٌ بهم ، لا يعدوهم إلى غيرهم . ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أن حاصل خداعهم يرجع إليهم ، والشعور على الشيء علم حسًّ من الشعار وهو ثواب يلي الجسد ، ومشاعر الإنسان حواسُّه لأنَّها آلات ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسَّ لــه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦

[سورة البقرة — آية 9]

قوله : ﴿ يُخَادِعُونَ الله وَالذِينَ ءَامَنُوا ﴾ أي بما أعطوهم من الإِقرار والتصديق ، وأعطوا الحقوق من الزكاة ، يخادعون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ فجعل الله مخادعتهم رسولَه والمؤمنين كمخادعة منهم لله . وهو كقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ [ الفتح : 10 ] . والإِيمان بالنبي عليه السلام إيمان بالله ، والكفر به هو كفر بالله ، وكذلك مخادعة الله . قال : ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ أي : إن ذلك يرجع عليهم عذابه وثواب كفره . وتفسير خدعة الله إياهم في سورة الحديد ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أي أن ذلك يصير عليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦

[سورة البقرة — آية 9]

﴿ يُخَدِعُونَ ﴾ أي يخدعون ، بفتح الياء وإسكان الخاء ، فالمفاعلة ليست على بابها ، بمعنى الفعل ، وهو إظهار ما يوهم السلامة وإبطان ما يقتضى الإضرار بالغير ، أو التخلص منه ، أو هو أن توهم صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه ، وتصيبه به ، ودخل فى المكروه جلب نفع منه لا يسمح به لك أو لغيرك ﴿ آللهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يظهرون خلاف ما أبطنوا ، ويظنون أن الله لا يعلم ذلك منهم . فأخبرنا الله عز وجل ، أنهم عاملوا الله والمؤمنين بالمكر ، والله لا يخفى عليه شىء ، أو يخادعون الله مخادعة مجاز ، على أنهم معتقدون لكون الله عالماً بما فى قلوبهم ، وذلك أن تلفظهم بالإيمان ، وإظهار مقتضياته مع مخالفته فى الأعمال والقلوب شبيه بالخداع ، ويقدر محذوف ، أى ، ويخادعون المؤمنين خداعا حقيقيا ، إذ يدفعون بإظهار الإيمان وشأنه القتل والسبى وما يصنع بالمشركين ، ويجلبون الإكرام والمعاملة بمعاملة المؤمنين ، وإنما قدرت محذوفا لئلا يكون لفظ يخادع فى مجازه وحقيقته معا ، أو أراد يخادعون الذين آمنوا ، وذكر الله معهم إكراما وتعظيماً لهم ، بأنه من خانهم فقد خان الله ، أو يخادعون نبى الله ، قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ﴾ والحاصل أن لفظ المفاعلة مبالغة ، ويجوز إبقاؤها على معناها مجازاً ، وذلك ، أنهم أظهروا الإيمان ، وهم كافرون ، والله عز وجل أجرى عليهم أحكام المؤمنين ، وهم عنده غير مؤمنين ، ولهم عنده الدرك الأسفل من النار ، وإجراء المؤمنين تلك الأحكام تشبه صورة المكر بهم ، إذ ليس لهم ما لمن تحقق إيمانه فى الآخرة ، وذلك استعارة تمثيلية فى الكلام ، أو مفردة تبعية فى يخادعون ، والله عز وجل لا يكون خادعاً إذ لا يخاف أحداً ، ولا ينقض فعله أحد إذا أجهره ، ولا مخدوعا ، لأنه لا يخفى عليه شىء ، ولا يناله مكروه ، ولاينتفع بشىء ، وإذا قدرنا يخادعون نبى الله الله تقدير معنى ففيه إيقاع الفعل على غير ما يوقع عليه للملابسة بينهما ، وهى الخلافة ، فذلك مجاز عقلى فى النسبة الإيقاعية لا الوقوعية ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ما يعاملون بمضرة الخداع إلا أنفسهم؛ وهى الافتضاح بإخبار الله ، سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بما أحفوه ، والعقاب فى الآخرة ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ لا يعلمون أن وبال العقاب راجع إليهم ، إنما فسرت يخادع بيخدع لأن الله والمؤمنين لا يخدعونهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١٦