سورة البقرة · الآية ١٠ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضࣰاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمُۢ بِمَا كَانُوا۟ یَكۡذِبُونَ١٠
الرسم الإملائيّ

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

الجزء ١الربع ١ صفحة ٣

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 10]

﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ أي شكٌّ أو نفاقٌ ، لأنَّ الشـكَّ تردُّد بين الأمرين ، والمنافق متردِّد ؛ في الحديث : << مثلُ المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين >> ، والمريض متردَّد بين الحياة والموت ، ولأنَّ المرضَ ضدُّ الصحَّة ، والفساد يقابل الصحَّة ، فصار المرض اسماً لكلِّ فساد ؛ والنفـاق فسـادٌ في القلب . ﴿ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً ﴾ أي ضُعفاً عن الانتصار ، وعجزاً على الاقتدار ؛ وقيل : المراد به خَلقُ النفاق في حالة البقاء بِخَلقِ أمثاله ، كما عُرف في زيـادة الإيمان ؛ وقيل : لأنَّ الآيات كانت تنزل تترى آية بعد آية ، كلمـا كفروا بآية ازدادوا كفراً ونفاقاً ، وذلك معنى قوله : ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) . ﴿ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي مـؤلم ، يخلص وجعه إلى قلوبهم ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ أي بَكَذبهم في قولهم : (آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) .

افتحه في القارئ · صفحة ١٧

[سورة البقرة — آية 10]

ثم قال : ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ يعني بذلك النفاق . يقول : في قلوبهم نفاق ، فنسب النفاق إلى القلب كما نسب الإِثم إليه ، كقوله في الشهادة : ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [ سورة البقرة : 283 ] قال : ﴿ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً ﴾ أي الطبع على قلوبهم بكفرهم .

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني عذاباً موجعاً ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ مخفّفة؛ أي : بقولهم : إنا مؤمنون وليسوا بمؤمنين إذ لم يستكملوا فرائض الله ولم يوفوا بها . فهذا تفسير من قرأها بالتخفيف . ومن قرأها بالتثقيل : ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ فهو يريد : بعض العمل أيضاً تكذيب؛ يقول : إن التكذيب تكذيبان : تكذيب بالقول وتكذيب بالعمل . ومثله في اللغة أن يقول القائل للرجل إذا حمل على صاحبه فلم يحقق في حملته : كَذَب الحملةَ ، وإذا حقّق قالوا : صدق الحملة . فمن قرأها بالتخفيف فهو يريد الكذب على معنى ما فسّرناه أولاً . وأخت هذه الآية ونظيرتها التي في براءة : ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 77 ] . يقول : أعقبهم ، بالخلف والكذب الذي كان منهم ، نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه . ومن قرأها بالتثقيل فهو بالمعنى الآخر الذي وصفناه آخراً ، ولا يعني به جحداً ولا إنكاراً ، لأن مرض النفاق غير مرض الشرك ، وكذلك كفر النفاق غير كفر الشرك .

افتحه في القارئ · صفحة ١٧

[سورة البقرة — آية 10]

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضُ ﴾ كفر بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ، وعداوته وعداوة المؤمنين ، وسره الاعتقاد والجهل ، وذلك شبيه بمرض الجسم فى الإيصال إلى مطلق الضر ، فإن المضر موجع وقاتل ومانع من التصرف فى المصالح ، وما فى قلوبهم مؤد إلى النار مانع من التصرف بأعمال الإسلام ، أو يشبه تألم قلوبهم بقوة الإسلام وانتظام أمره بتألمهم بمرض البدن ، فسمى التألم مرضاً ، وحقيقة المرض حالة خارجة من الطبع ضارة بالفعل لا بالقوة خاصة ، والقرينة المشروطة فى المجاز تمنع الحقيقة ، ولا يلزم أن تمنع احتمال مجاز آخر . فلك حمل الآية علىهذا التألم ، وعلى ما ذكرت قبل ﴿ فَزَادَهُمُ ﴾ بسبب ذلك المرض ﴿ اللهُ مَرَضاً ﴾ بما أنزل من القرآن بعد ما كفروا بما أنزل منه قبل ، والله يجازى المذنب بالإيقاع فى ذنب آخر ، كما يجازى المطبع بالتوفيق إلى طاعة أخرى ، وكلما نزلت آية أو وحى كفروا به ، لأنه طبع على قلوبهم ، وذلك زيادة مرض ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ موجع بفتح الجيم والموجع بفتحها حقيقة هم لا العذاب ، لكن أكد شدة العذاب حتى كأنه معذب بفتح الذال ، وهذا بليغ ، ولا بلاغة فى قولك عذاب موجع ، بكسر الجيم ، فأليم فعميل بمعنى مفعل بضم الميم وفتح العين ، ولك إبقاؤه على ظاهره ، أى متوجع بكسر الجيم ، ففيه البلاغة ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ أى بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وما مصدرية ، وجرت عادتهم بالاكتفاء بالمصدر من خبر كان الذى بعدها ، والأصل أن يقال بكونهم يكذبون ، ولا حاجة إلى قولك بالتكذيب الذى كانوا يكذبونه النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يتكذيب يكذبونه صلى الله عليه وسلم على أن ما اسم موصول ، أو نكرة موصوفة ، والهاء مفعول مطلق .

افتحه في القارئ · صفحة ١٧