سورة البقرة · الآية ٩٣ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱسۡمَعُوا۟ۖ قَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَعَصَیۡنَا وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا یَأۡمُرُكُم بِهِۦۤ إِیمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ٩٣
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

الجزء ١الربع ٦ صفحة ١٤

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 93]

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ قد سبق تفسيره ، ﴿ وَاسْمَعُوا﴾ ما أمرام به في التوراة ، ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ قولـك ، ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك ، وطابق قوله جوابهم من حيث أنه قال لهم : اسمعوا سماع تقبُّل وطاعة ، فقالوا : سمعنا ولكن لا سماع وطاعة . قال أهل المعاني : إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ، ولكن لمَّا سمعوا وتلقَّـوه بالعصيان نسب ذلك إلى القول اتَّساعا . ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ﴾ أي تَدَاخلهم حبُّه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب ، معناه : دخل في قلوبهم حبُّ العجل وخالطها كإشراب اللون لشدة الملازمة ، فلان مشروب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة . وقوله : ( في قلوبهم ) بيان بمكان . ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بسبب كفرهم ، ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ﴾ بالتوراة ، لأنَّه ليس في التوراة عبادة العجل . وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكَّم وشكَّك في صحَّة (لَعَلَهُ) إيمانهم ، وقدحٌ في صحَّة دعواهم له ، وكذا إضافة الإيمان إليهم . ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تشكيك في إيمانهم ، وقدحٌ في صحة دعواهم ، أي بئس إيمان يأمر بعبادة العجل .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٠

[سورة البقرة — آية 93]

قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بَقُوَّةٍ ﴾ وقد فسّرناه قبل هذا الموضع .

قوله : ﴿ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ سمعنا ما تقول ، وعصينا أمرك . ﴿ وَأُشْرِبُوا فَِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ . قال الحسن : ليس كلهم تاب وقَبِل ذلك : فمن لم يتب فهم الذين بقي حبُّ العجلِ في قلوبهم ، وهم الذين قال الله فيهم : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . ﴾ [ الأعراف : 152 ] .

قوله : ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ . أي لو كان الإِيمان في قلوبكم لحجزكم عن عبادة العجل . يقول : بيسما يأمركم به إيمانكم أن تعبدوا العجل . وهو مثل قوله : ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ [ الأنفال : 35 ] وأشباه ذلك يقول : إن كنتم مومنين فإن إيمانكم لا يأمركم بعبادة العجل . ثم رجع إليهم لقولهم : ﴿ لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ﴾ [ البقرة : 111 ] ، ولقولهم : ﴿ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ [ البقرة : 80 ] . فقال :

﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي أنكم من أهل الجنة حتى تدخلوا الجنة بزعمكم . قال : ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي : بما أسلفوا من الأعمال الخبيثة ، لأنهم يعلمون أنهم معذَّبون ، يعني به الخاصة الذين جحدوا وكفروا حسداً وبغياً من بعد ما تبيّن لهم . ﴿ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٠

[سورة البقرة — آية 93]

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ ﴾ على التوراة درسا وتفهما وعملا ، والحال أنا رفعنا الطور كما قال ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ يسقط عليكم إن امتنعتم من قبولها ، مقولا لكم ، أو قائلا لكم ﴿ خُذُوا مَآءَاتَيْنَكُمْ ﴾ جعلنا آتيا إياكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ باجتهاد ، وترك الكسل ، والفتور ، كما هو عادة المنافقين ﴿ وَاسْمَعُواْ ﴾ سماع إجابة ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا ﴾ قولك بآذاننا ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ بقولنا وجوارحنا ، لا نعتقد أمرك ، ولا تعمل به جوارحنا ، كل ذلك باللسان ، أو سمعنا بلسان النزل ، وعصينا بلسان الحال ، أو سمعنا قبل أحكاما ، وعصينا ﴿ وَأُشْربُواْ ﴾ كل ذلك باللسان ، أو سمعنا بلسان المقال ، وعصينا الحال ، أو سمعنا قبل أحكاما ، وعصينا ﴿ وَأُشْرِبُواْ ﴾ أشربهم الشيطان بالوسوسة ، أو أشربهم الله بالخذلان ، أو موسى ، إذ برد بالمبرد العجل وسقاهم برادته ، كما يأتى إن شاء الله ، جعل مخالطا كما يخالط الشراب أعماق البدن ، أو كما يدخل الصبغ الثوب ، وهذا على أنه من الإشراب بمعنى دخول لون على لون ﴿ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ﴾ حب العجل ، ورسخ كمارسخ الماء فى محله من العطشان ، أو الصبغ فى الثوب ، قيل : ولك أن تقدر حب بأن رسخت صورته وشغفوا بها ، وفيه بعد ، إذ لا بد من حكم يعرض على ذات ، فيقدر شغف أو حب ، ووجهه المبالغة ، بأنه كأنه نفسه مشروب ، وبأنه مثل قولك ، فلان يأكل فى جيمع بطنه إذا بالغ فى الأكل ، وذكر القلوب مع أن الحب لا يكون إلا فيها ليجمع بين مزيد التقدير والتأكيد ، وبيان أن المشرب الحب ، إذ لم يذكر ، ولفائدة البيان بعد الإجمال أو بعد الإبهام ، فإن محل الشرب فى المعتاد البطن ، واختار الإشراب لأن الماء أبلغ مساغا فى البدن ، ومطية الأغذية والأدوية .

وقيل : برده موسى بالمبرد ، وألقاه فى الماء ، وأمرهم بشربه . فمن أحبه خرجت برادته إلى شفتيه ، وهو قول بارد ، وبرده ذكر القلوب أو يضعفه ، وقيل : ربط إلى قلوبهم كما يشرب البعير بمعنى شد فى عنقه حبل يمسك به ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ بسبب كفرهم السابق على اتخاذ العجل كفر شرك ، وهم مجسمة ، يجيزون ألوهية الأجسام ، أو حلولية ، يجيزون حلول الله ، والألوهية منه فى الأجسام زادهم الله عذابا فى الدنيا والآخرة ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَنُكُمْ ﴾ بالتوراة . والمخصوص بالذم عبادة العجل ، تهكم عليهم بأن إيمانهم بالتوراة أمرهم بعبادة العجل ، فذاك نفى للإيمان بها ، لأن الإيمان يورث العلم والحكمة والفهم ، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لا عبادة غير الله ، ولا سيما أبلد الحيوان ، وهو البقر ، ولا سيما صغيره ، أو المخصوص قتل الأنبياء ونحوه ، أو قولكم عصينا ، أو كل ذلك ، وما ذكرته أولا أولى ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ بها ، متصل بما قبله ، أو إلا كنتم مؤمنين بها فاعملوا بما فيها ، أو فلا تقتلوا الأنبياء ، ولا تكذبوا الرسل ، ولا تكتموا لحق ، أو ما كنت مؤمنين إذ خالفتموهم إنكاراً أو فسقا ، وإن نافية .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٠