قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةࣰ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ٩٤
الرسم الإملائيّ
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
الجزء ١الربع ٦ صفحة ١٥
تفسيرها
﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ أي الجنَّـة ، ﴿ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً ﴾ لكم خـاصَّـة ، ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ أي ليس لأحد سواكم ، كما قال : ﴿ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في ما تقولون ، لأن من أيقن أنه من أهل الجنَّة اشتاق إليها تخلُّصا من دار ذات الشوائب ، كما قيل : عن عمـَّار بصفَّين : << الآن ألاقى الأحبَّة محمداً وأصحابه >> . وقال حذيفة حين احتضر : << مرحبا حبيبٌ جاء على فاقة لا أفلح من ندم >> ، أي على التمنَّي سيما إذا علم أنها سلامة ، وقال : << لا أبالي سقطت على الموتُ أو سقط الموتُ عليَّ >> .
افتحه في القارئ · صفحة ١٠١
قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بَقُوَّةٍ ﴾ وقد فسّرناه قبل هذا الموضع .
قوله : ﴿ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ سمعنا ما تقول ، وعصينا أمرك . ﴿ وَأُشْرِبُوا فَِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ . قال الحسن : ليس كلهم تاب وقَبِل ذلك : فمن لم يتب فهم الذين بقي حبُّ العجلِ في قلوبهم ، وهم الذين قال الله فيهم : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا . . . ﴾ [ الأعراف : 152 ] .
قوله : ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ . أي لو كان الإِيمان في قلوبكم لحجزكم عن عبادة العجل . يقول : بيسما يأمركم به إيمانكم أن تعبدوا العجل . وهو مثل قوله : ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ [ الأنفال : 35 ] وأشباه ذلك يقول : إن كنتم مومنين فإن إيمانكم لا يأمركم بعبادة العجل . ثم رجع إليهم لقولهم : ﴿ لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ﴾ [ البقرة : 111 ] ، ولقولهم : ﴿ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ [ البقرة : 80 ] . فقال :
﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ الله خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي أنكم من أهل الجنة حتى تدخلوا الجنة بزعمكم . قال : ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي : بما أسلفوا من الأعمال الخبيثة ، لأنهم يعلمون أنهم معذَّبون ، يعني به الخاصة الذين جحدوا وكفروا حسداً وبغياً من بعد ما تبيّن لهم . ﴿ وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٠١
﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّراُ الآخِرَةُ ﴾ الجنة نفسها ونعيمها ، وليست الدار الآخرة انقضاء الدنيا ، بل انقضاؤها اليوم الآخر ، والنار أيضا دار آخرة ، والعهد والسياق ينفيان إرادتها ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ فى حكمه أو عندية شرف ﴿ خَالِصَةً ﴾ لم يشبها النقض بثبوت بعضا لغيركم ، بمعنى صافية حقيقة ، أو خاصة بكم مجازاً ﴿ مِّنْ دُونَ النَّاسِ ﴾ كما قلتم ، لن يدخل الجن إلا من كان هوداً ، أو نحن أبناء الله ، ولن تمسنا النار . . . إلخ ، ولم يخلق الله الجنة إلا لإسرائيل وبنيه ، ثم إما أن يريدوا بالناس سائرهم بعد الخاصة ، فيستثنون إبراهيم وإسحق ويعقوب ونحوهم . ومن دعواهم الباطلة أن هؤلاء يهوديون ، ويستثون أيضا آدم ونوحاص ونحوهما ومن مات قبل اليهودية ، وإما أن يعموا ولا يستثنوا هؤلاء ولا غيرهم ، لأن من شأنهم إنكار ما عرفوا من الحق واعتقدوه ، كما أنكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعيسى والقرآن والإنجيل؛ وكثيرا من التوراة مع معرفتهم بهم ، وكما قالوا « ما أنزل الله على بشر من شىء » ولما أن يريدوا النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين من أمته . ﴿ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾ فى دعوى اختصاص الجنة بكم؛ فإن لم أيقن بذلك يحب الإفضاء إليها من دار البؤس والأكدار ، والمسلمون ولو لم يتمنوا الموت لكنهم لا يخصصون أنفسهم بها ، بل يقولون ، هى لكل مؤمن من الأمم ، والأمر بالتمنى سبب من دعواهم ، وذلك نقيض التالى ، هكذا لو اختصصم بها لتمنيتم الموت لكنكم لا تمنونه ، فليست مختصة بكم ، وتمنى ما يختص بك أعظم من تمنى ما شوركت فيه ، وقد تمناه من صدق فى دعواه ، كقول عمار : غداً نلقى الاحبة محمداً وأصحابه ، وحذيفة إذ قال ، مرحباً يجيب جاء على فاقة ، وقوله صلى الله عليه وسلم فى قتلى بئر معونة : يا ليتنى غودرت معهم فى لحف الجبل ، وعبدالله بن رواحة ، يا حبذا الجنة ، واقترابها طيبة ، وبارد شرابها ، والروم روم قد دنا عذابها .
افتحه في القارئ · صفحة ١٠١