سورة طه · الآية ١٢ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
إِنِّیۤ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَیۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوࣰى١٢
الرسم الإملائيّ

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى

الجزء ١٦الربع ١٢٥ صفحة ٣١٢

تفسيرها

[سورة طه — آية 12]

﴿ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أمره بذلك ، لأن الحفوة تواضع وأدب ، ولذلك طاف السلف حافين ، وقيل: لنجاسة نعليه ، وقيل: معناه فرغ قلبك من الأهل والمال ، أو للاستقرار والمكث بالبقعة المباركة ، ليكون أحضر لقلبه لتلقي وحي ربه. ﴿ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر من حضور الشياطين ، ﴿ طُوًى﴾ بالضم ، وبكسر وتنوين ، واد بالشام على ما يوجد طوى.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٦٠

[سورة طه — آية 12]

قوله عز وجل : ﴿ وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ أي : قد أتاك حديث موسى ﴿ إذْ رَأَى نَاراً ﴾ أي عند نفسه وإنما كانت نوراً . ﴿ فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءَانَسْتُ نَاراً ﴾ أي رأيت ناراً ﴿ لَّعَلِّي ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ . وقال في آية أخرى : ﴿ سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ أي : خبر الطريق ﴿ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابِ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ [ النمل : 7 ] وكان شاتياً . وقال في هذه الآية : ﴿ لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ﴾ أي : هداة يهدونني الطريق في تفسير الحسن .

وقال بعضهم : وكان يمشي على غير طريق . وكان يمشي متوكلاً على ربه متوجهاً بغير علم .

قوله عز وجل : ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا ﴾ أي : النار التي ظن أنها نار ﴿ نُودِيَ يَامُوسَى إنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ قال بعضهم : كانتا من جلد حمار ميت . فخلعهما ﴿ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً ﴾ . قال الحسن : طوى بالبركة مرتين .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٦٠

[سورة طه — آية 12]

﴿ إِنَّى أنا ربك ﴾ مستأنف أو مجموع الى قوله : ﴿ يا موسى ﴾ أى قيل له ذلك ، ويقال : لما نودى قال : من المتكلم؟ فإنى أسمع صوتك ولا أدرى أين أتت؟ قال : أنا فوقك وأمامك ، وخلفك ، وأقرب إليك منك ، فعلم أن الكلام من الله تعالى ، وكان يسمعه بأذنيه وبطنه ، ويديه ولسانه ، وعينيه وبدنه ، وداخله والمتكلم بذلك ملك يقول عن الله بأمره تعالى كما ينزل جبريل بألفاظ التوحيد وغيرها معن الله عز وجل ، أو خلق الله الكلام فى الشجرة أو فى الهواء أو فى بدن موسى ، كما روى أنه سمعه بجميع جسده ، ومن جميع الجهات ، أخطأ من قال : إنه سمع ألفاظاً تلفظها الله ، لأن ذلك من صفات المخلوق والمحدود الحال .

ومن قال : إنه أسمعه الكلام النفسى الذى ليس بحروف ولا أصوات ، لأن الحق أن الكلام النفسى غير ثابت ، نؤمن بالله وبما أنزل وننكر التشبيه ، ولو ثبت الكلام النفسى فكيف يسمع ما ليس بصوت ، ولو قالوا : إن الله عز وجل ألفى فى موسى معانى تلك الألفاظ بلا تلفظ من لافظ كسائر الإلهام ، لكفى خروجاً عن وصف الله بما ليس له ، ويكفى ما ذكرت من الأوجه ، فى أنه سمى كليماً ، إذ تلك الكيفية لم تقع لغيره .

﴿ فاخْلَع نعْلَيك ﴾ لأنهما من جلد حمار ميت غير مدبوغ ، وهما طاهرتان بإزالة الودك ، قال الترمذى ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كان على موسى عليه السلام يوم كلمه ربه كساء وجبة وقلنسوة وسراويل من صوف ونعلاه من جلد حمار » وعن الحسن وغيره : « من جلد بقرة ذكيت » وللتواضع والأدب كما كان السلف يطوفون بلا خف ، وأمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة فى النعل لمخالفة اليهود ، فإذا علموا بالمخالفة وشهرت ، فالصلاة بدونها أفضل ، ولتنال قدما موسى بركة تلك الأرض .

ويبعد أن المراد بنعليه المال والولد ، وكل ما سوى الله تعالى كناية عن إفراغ القلب ، والفاء سببية ، فالأنسب الخلع للإعظام ، والأدب تفريعاً على قوله : ﴿ إنى أنا ربك ﴾ كما أن قوله عز وجل .

﴿ إنَّك بالواد المقدَّس ﴾ تعليل للخلع ، أى لأنك بالوادى المقدس وهذا تعليل بشرف الوادى ، وهذا كما تقول إنِّى أبوك فلا ترفع صوتك على أنى ربيتك ، ولما أمر بخلعهما ألقاهما وراء الوادى ﴿ طُوًى ﴾ علم للوادى ممنوع الصرف للعلمية والعدل كعمره ، كما قيل : إنه واد عميق مستدير ، كأنه شىء طوى ، فهو من الطى ، فهو عربى كأنه اطوى نفسه لالتوائه ، وقيل : للعليمة والعجمة بدل من الوادى ، أو بيان ، وقيل : رجل بالعبرانية منادى أى يا طوى أى يا رجل ، وليس ألفه للتأنيث ، لأن ألف التأنيث زائدة رابعة فصاعداً ، أو هذه لام الكلمة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٣٦٠