سورة طه · الآية ١٢٤ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ أَعۡمَىٰ١٢٤
الرسم الإملائيّ

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى

الجزء ١٦الربع ١٢٨ صفحة ٣٢٠

تفسيرها

[سورة طه — آية 124]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذاكر لي ، والداعي إلى عبادتي من حيث جاءهم ، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ضيقا ، وذلك لأن مجامع همه ، ومطامح نظره يكون إلى أغراض الدنيا ، متهالكا على ازديادها ، خائفا على انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة ، مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ، ويوسع ببركة لأهل الإيمان ، كما قال: ﴿ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، وقيل: هو الضريع والزقوم في النار ، ويحتمل فيه ، لأنه معيشة الحياة الدنيا قليلة في جنب الآخرة ، كما قال:﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا ﴾ وعلى كل حال فإن معيشتهم ضنك ، لأنهم ليس عليها يؤجرون ﴿كذا﴾ . وروي عن ابن عباس أنه قال:" كل ما أعطى العبد قل أو كثر ، فلم يتق فيه ، فلا خير فيه ، وهو الضنك في المعيشة". وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين ، وكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف عليهم ، فاشتدت عليهم من سوء ظنهم . ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أعمى البصر ، أو القلب ، ويؤيد الأول ﴿قوله﴾:

﴿قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى ، وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ؟ قَالَ :كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ﴾ فتعاميت عنها ، وتركتها غير منظور إليها ، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل تركك إياها ﴿الْيَوْمَ تُنسَى﴾ تترك في العمى والعذاب.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٢

[سورة طه — آية 124]

﴿ وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي ﴾ أي : فلم يتّبع هداي ولم يؤمن ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾ أي عذاب القبر .

وذكروا عن ابن مسعود قال : ( مَعِيشَةً ضَنْكاً ) : عذاب القبر . قال : يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه .

ذكروا أن الرجل المؤمن إذا وضع في قبره ، فانصرف عنه الناس ، أتاه صاحب القبر الذي وكل به ، فأتاه من قبل جانبه الأيمن ، فقالت له الزكاة التي كان يعطي : لا تفزعه من قِبَلي اليوم ، ثم أتاه من قبل رأسه فقال له القرآن الذي كان يقرأ : لا تفزعه من قِبَلي اليوم . ثم جاءه من قبل رجليه فقالت الصلاة التي كان يصلّي : لا تفزعه من قِبَلي اليوم .

ثم جاءه من جانبه الأيسر ، فأيقظه إيقاظك الرجل الذي لا تحب أن تفزعه فقال له : من ربك؟ فقال : الله وحده لا شريك له . ثم قال له : من نبيّك؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم . قال : فما دينك؟ قال : الإسلام ، وعلى ذلك حييت ، وعلى ذلك مت؟ قال : نعم ، وعلى ذلك تبعث؟ قال : نعم . قال : صدقت . قال : فيفتح له في جنب قبره ، فيريه منزله من الجنة وما أعد الله له من الكرامات ، فيشرق وجهه ، وتفرح نفسه ، ثم يقال له : نم نوم العروس الذي لا يوقظه إلا أعز أهله عليه .

ويؤتى بالكافر فلا يجد شيئاً يحول دونه : لا صلاة ولا قراءة ولا زكاة ، فيوقظه إيقاظك الرجل الذي تحبّ أن تفزعه ، فيقول له : من ربّك؟ فيقول أنت . فيقول : من نبيّك؟ فيقول : أنت . فيقول : وما كان دينك؟ فيقول : أنت . فيقول : صدقت ، لو كان لك إله تعبده لاهتديت له اليوم ، فيفتح له في جنب قبره فيريه منزله من النار وما أعد الله له من العذاب ، ويضربه ضربة يتناصل منها كل عظم من مفصله ، فيسمعه الخلق إلا الثقلين : الإِنس والجن ، ثم يقذف به في مقلى ينفخه نافخان لا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا ، ولا يميل إلى هذا إلا رده إلى هذا حتى ينفخ في الصور النفخة الأولى فيقال له : اخمد؛ فيخمد حتى ينفخ في الصور النفخة الثانية؛ فيبعث مع الخلق فيقضى له كما يقضى لهم ، لا راحة له إلا ما بين النفختين .

قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ أي عن حجته . كقوله : ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ [ المؤمنون : 117 ] أي : لا حجة لديه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٢

[سورة طه — آية 124]

﴿ قال ﴾ كأنه قيل هل بقيا فى الجنة إذ تابا فيها فقال قال : ﴿ اهْبِط ﴾ انزلا يا آدم وحواء ﴿ مِنْها ﴾ من الجنَّة الى الدنيا ﴿ جميعاً ﴾ لا يبقى واحد منكما ﴿ بعْضُكم لبعضٍ عدوّ ﴾ حال مقدرة ، والجمع باعتبار ما يتولد منهما ، والتعادى فى الحققة بين أولادهما ، وذلك عكس خطاب اليهود بما فعل آباؤهم ، أو الخطاب فى اهبطا لآدم وإبليس ، وأما حواء فتبع لزوجها ، والخطاب فى اهبطوا لآدم وإبليس وذريتهما ، وهو المتبادر من قوله : ﴿ عدوّ لك ولزوجك ﴾ كأنه قيل كذلك تكون العداوة بين أولاده وأولادك ، وهذا أنسب بأن تفسر العدواة بالتعادى بين أولاد آدم ، لكن لا مانع من أن يراد ذلك أو بين أولاد كل فيما بينهما ، وأولاده وأولاد الآخر إخباراً بأن الدنيا دار التواء ديناً ودُنيا ، لا كالجنة التى كنت فيها ، وقيل الكاف لآدم وإبليس والحية إذت دخل إبليس فى فمها مستخفياً عن الملائكة للوسوسة ، وهو بعيد إذ لا خطاب للحية بإتيان الهدى إليها ، واتباعه والإعراض عنه المذكورين بعد ، والحمل على المجموع خلاف الأصل ، ولم يجر للحية ذكر ، وعلى كل حال دخل إبليس الجنة بعد ما خرج منها ، فصح أن يقال له اهبط منها .

﴿ فإمَّا ﴾ إن الشرطية وما المزيدة للتأكيدة ﴿ يأتينَّكم منِّى هُدًى ﴾ يوحيى أرسله إليكم ، أو كتاب وذلك يعم ، بخلاف ما لو قلنا هدى بنبى إذ لا يبعث الى آدم نبى ، بل هو نبى ، وإنما يصح ذلك لو خص الخطاب بالذرية ﴿ فَمَن اتبَّع هُداى ﴾ مقتضى الظاهر ، فمن اتبعه ، وأظهر وأضاف الى الله تشريفاً وتأكيداً الإيجاب الاتباع ﴿ فَلا يضلُّ ﴾ عن الدين أو عن الصواب أو الرشاد ، لأن معه الهدى منَّا ، وهو الدين والصواب والرشاد ﴿ ولا يَشْقى ﴾ فى الآخرة ، ولا يصح أن يفسر الهدى بالقرآن خاصة ، وأما قول ابن عباس رضى الله عنهما قارئاً للآية : أجار الله تابع القرآن من أن يضل فى الدنيا ، أو يشفى فى الآخرة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « من ابتع كتاب الله هداه الله من الضلالة فى الدنيا ووقاه سوء الحساب فى الآخرة » فلأن القرآن من جملة الهدى لا لكونه المراد بالهدى ، ألا ترى أن الخطاب للمكلفين مطلقاً لا لهذه الأمة خاصة ، وأما قوله :

﴿ ومن أعْرَض عَنْ ذكْرى ﴾ أى لم يتبعه ، فالذكر فيه عام أيضاً لا يخص القرآن ، فإنه كما يطلق على القرآن قد أطلق فيه على غيره ، وعلى العموم ، وكذا لا تخص الآيات فى قوله : ﴿ أتتك آياتنا ﴾ بآيات القرآن ، بل على العموم وعلى الدلائل ، كما أنه فسر بعضهم ذكرى بهداى لأنه سبب ذكره وعبادته عز وجل ، وقيل : لا يضل طريق الجنة فى الآخرة ، وهو فى مقابلة ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ ولا يتعب فى معيشة الدنيا ، وهو مقابل قوله عز وجلّ : ﴿ فإن له معيشة ضنْكاً ﴾ وعليه فقدم حال الآخرة ، لأنها محط رغبة المهتدين ، وما مر أولى لأنه تفسير النبى صلى الله عليه وسلم ، وابن عباس رضى الله عنهما ، وأجيزا فى الآخرة ، وأجيزا فى الدنيا ، لأن اشقاء بما فيها من الانحراف .

﴿ فإن له مَعيشَةً ﴾ حياة ﴿ ضنْكاً ﴾ شديدة الضيق ، وأصله مصدر ، ولذلك يوصف به المفرد المذكر وغيره ، والكافر فى الدنيا فى شدة الضيق ، ولو كثر ماله لضيق قلبه بالحر والشح ، وطلب الزيادة ، وخوف النقص ، وسلب القناعة حتى يشبع ، وإن كان له قناعة بكثيراً أو قليل : فقلبه متقطع بالشهوات ، ومعيشة الكافر أيضاً مطلقاً ، ضنك أى سبب للشدة يوم القيامة ، كما يعذب بماله أيضاً إذ لم يخرج حقوقه .

وعن ابن مسعود وأبى سعيد : المعنى عذاب الكافر فى قبره ، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « المؤمن فى قبره فى روضة خضراء يرحب له سبعين ذراعاً فى ضوء القمر ليلة البدر ، هل تدرون فيم نزلت فإن له معيشة ضنكاً قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال عذاب الكافر فى قبره يسلط عليه تسع وتسعون حية ، لكل واحدة سبعة رءوس تلسعه ، وتنفخ الى يوم ينفخ فى الصور ، وما قبل قيام الساعة » وبعد الموت من الدنيا فى قول ، وقيل المعيشة الضنك بعد البعث الشوك والزقوم والغسلين .

﴿ ونْحشُره يَوم القيامة أعْمَى ﴾ تارة ، وأزرق أخرى ، أو أزرق زرقة مسببة عن موت ضوء العين ، أو فساد الجسد ، أو بعض أزرق وبعض أعمى ، كما مر ، وقال الله عز وجل : ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكما وصماً ﴾ وقد قال الله عز وجل : ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ ويقرءون كتبهم ، ويرون أهوال القيامة ، وذلك بالبصر ، وقال : ﴿ اسمع بهم وأبصر ﴾ ويتكلمون فيما بينهم ، ولمالك خازن النار ولغيره ، ويحابون ويسمعون الجواب ، فكل منهم يتكلم ويخرس ، ويبصر ويعمى ، ويسمع ويصم ، وذلك فى مواطن .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٢