تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة طه

الجزء طه · صفحة ٠
[سورة طه — آية 124]

﴿ قال ﴾ كأنه قيل هل بقيا فى الجنة إذ تابا فيها فقال قال : ﴿ اهْبِط ﴾ انزلا يا آدم وحواء ﴿ مِنْها ﴾ من الجنَّة الى الدنيا ﴿ جميعاً ﴾ لا يبقى واحد منكما ﴿ بعْضُكم لبعضٍ عدوّ ﴾ حال مقدرة ، والجمع باعتبار ما يتولد منهما ، والتعادى فى الحققة بين أولادهما ، وذلك عكس خطاب اليهود بما فعل آباؤهم ، أو الخطاب فى اهبطا لآدم وإبليس ، وأما حواء فتبع لزوجها ، والخطاب فى اهبطوا لآدم وإبليس وذريتهما ، وهو المتبادر من قوله : ﴿ عدوّ لك ولزوجك ﴾ كأنه قيل كذلك تكون العداوة بين أولاده وأولادك ، وهذا أنسب بأن تفسر العدواة بالتعادى بين أولاد آدم ، لكن لا مانع من أن يراد ذلك أو بين أولاد كل فيما بينهما ، وأولاده وأولاد الآخر إخباراً بأن الدنيا دار التواء ديناً ودُنيا ، لا كالجنة التى كنت فيها ، وقيل الكاف لآدم وإبليس والحية إذت دخل إبليس فى فمها مستخفياً عن الملائكة للوسوسة ، وهو بعيد إذ لا خطاب للحية بإتيان الهدى إليها ، واتباعه والإعراض عنه المذكورين بعد ، والحمل على المجموع خلاف الأصل ، ولم يجر للحية ذكر ، وعلى كل حال دخل إبليس الجنة بعد ما خرج منها ، فصح أن يقال له اهبط منها .

﴿ فإمَّا ﴾ إن الشرطية وما المزيدة للتأكيدة ﴿ يأتينَّكم منِّى هُدًى ﴾ يوحيى أرسله إليكم ، أو كتاب وذلك يعم ، بخلاف ما لو قلنا هدى بنبى إذ لا يبعث الى آدم نبى ، بل هو نبى ، وإنما يصح ذلك لو خص الخطاب بالذرية ﴿ فَمَن اتبَّع هُداى ﴾ مقتضى الظاهر ، فمن اتبعه ، وأظهر وأضاف الى الله تشريفاً وتأكيداً الإيجاب الاتباع ﴿ فَلا يضلُّ ﴾ عن الدين أو عن الصواب أو الرشاد ، لأن معه الهدى منَّا ، وهو الدين والصواب والرشاد ﴿ ولا يَشْقى ﴾ فى الآخرة ، ولا يصح أن يفسر الهدى بالقرآن خاصة ، وأما قول ابن عباس رضى الله عنهما قارئاً للآية : أجار الله تابع القرآن من أن يضل فى الدنيا ، أو يشفى فى الآخرة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « من ابتع كتاب الله هداه الله من الضلالة فى الدنيا ووقاه سوء الحساب فى الآخرة » فلأن القرآن من جملة الهدى لا لكونه المراد بالهدى ، ألا ترى أن الخطاب للمكلفين مطلقاً لا لهذه الأمة خاصة ، وأما قوله :

﴿ ومن أعْرَض عَنْ ذكْرى ﴾ أى لم يتبعه ، فالذكر فيه عام أيضاً لا يخص القرآن ، فإنه كما يطلق على القرآن قد أطلق فيه على غيره ، وعلى العموم ، وكذا لا تخص الآيات فى قوله : ﴿ أتتك آياتنا ﴾ بآيات القرآن ، بل على العموم وعلى الدلائل ، كما أنه فسر بعضهم ذكرى بهداى لأنه سبب ذكره وعبادته عز وجل ، وقيل : لا يضل طريق الجنة فى الآخرة ، وهو فى مقابلة ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ ولا يتعب فى معيشة الدنيا ، وهو مقابل قوله عز وجلّ : ﴿ فإن له معيشة ضنْكاً ﴾ وعليه فقدم حال الآخرة ، لأنها محط رغبة المهتدين ، وما مر أولى لأنه تفسير النبى صلى الله عليه وسلم ، وابن عباس رضى الله عنهما ، وأجيزا فى الآخرة ، وأجيزا فى الدنيا ، لأن اشقاء بما فيها من الانحراف .

﴿ فإن له مَعيشَةً ﴾ حياة ﴿ ضنْكاً ﴾ شديدة الضيق ، وأصله مصدر ، ولذلك يوصف به المفرد المذكر وغيره ، والكافر فى الدنيا فى شدة الضيق ، ولو كثر ماله لضيق قلبه بالحر والشح ، وطلب الزيادة ، وخوف النقص ، وسلب القناعة حتى يشبع ، وإن كان له قناعة بكثيراً أو قليل : فقلبه متقطع بالشهوات ، ومعيشة الكافر أيضاً مطلقاً ، ضنك أى سبب للشدة يوم القيامة ، كما يعذب بماله أيضاً إذ لم يخرج حقوقه .

وعن ابن مسعود وأبى سعيد : المعنى عذاب الكافر فى قبره ، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « المؤمن فى قبره فى روضة خضراء يرحب له سبعين ذراعاً فى ضوء القمر ليلة البدر ، هل تدرون فيم نزلت فإن له معيشة ضنكاً قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال عذاب الكافر فى قبره يسلط عليه تسع وتسعون حية ، لكل واحدة سبعة رءوس تلسعه ، وتنفخ الى يوم ينفخ فى الصور ، وما قبل قيام الساعة » وبعد الموت من الدنيا فى قول ، وقيل المعيشة الضنك بعد البعث الشوك والزقوم والغسلين .

﴿ ونْحشُره يَوم القيامة أعْمَى ﴾ تارة ، وأزرق أخرى ، أو أزرق زرقة مسببة عن موت ضوء العين ، أو فساد الجسد ، أو بعض أزرق وبعض أعمى ، كما مر ، وقال الله عز وجل : ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكما وصماً ﴾ وقد قال الله عز وجل : ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ ويقرءون كتبهم ، ويرون أهوال القيامة ، وذلك بالبصر ، وقال : ﴿ اسمع بهم وأبصر ﴾ ويتكلمون فيما بينهم ، ولمالك خازن النار ولغيره ، ويحابون ويسمعون الجواب ، فكل منهم يتكلم ويخرس ، ويبصر ويعمى ، ويسمع ويصم ، وذلك فى مواطن .

٢٬٤٧٢ / ٦٬٢٣٦