سورة طه · الآية ١٢٦ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَایَٰتُنَا فَنَسِیتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡیَوۡمَ تُنسَىٰ١٢٦
الرسم الإملائيّ

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى

الجزء ١٦الربع ١٢٨ صفحة ٣٢١

تفسيرها

[سورة طه — آية 126]

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذاكر لي ، والداعي إلى عبادتي من حيث جاءهم ، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ ضيقا ، وذلك لأن مجامع همه ، ومطامح نظره يكون إلى أغراض الدنيا ، متهالكا على ازديادها ، خائفا على انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة ، مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ، ويوسع ببركة لأهل الإيمان ، كما قال: ﴿ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ ، ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ ، وقيل: هو الضريع والزقوم في النار ، ويحتمل فيه ، لأنه معيشة الحياة الدنيا قليلة في جنب الآخرة ، كما قال:﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا ﴾ وعلى كل حال فإن معيشتهم ضنك ، لأنهم ليس عليها يؤجرون ﴿كذا﴾ . وروي عن ابن عباس أنه قال:" كل ما أعطى العبد قل أو كثر ، فلم يتق فيه ، فلا خير فيه ، وهو الضنك في المعيشة". وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين ، وكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف عليهم ، فاشتدت عليهم من سوء ظنهم . ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ أعمى البصر ، أو القلب ، ويؤيد الأول ﴿قوله﴾:

﴿قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى ، وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ؟ قَالَ :كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ﴾ فتعاميت عنها ، وتركتها غير منظور إليها ، ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل تركك إياها ﴿الْيَوْمَ تُنسَى﴾ تترك في العمى والعذاب.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٤

[سورة طه — آية 126]

قال الله عز وجل : ﴿ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا ﴾ أي : لأنه أتتك آياتنا في الدنيا ﴿ فَنَسِيتَهَا ﴾ أي : فتركتها ولم تؤمن بها . ﴿ وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى ﴾ أي : تترك في النار . وقال بعضهم : نُسِي من الخير ، أي ترك من الخير ولم ينس من الشر ، أي : ولم يترك من الشر .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٤

[سورة طه — آية 126]

﴿ قال ﴾ الله ﴿ كَذلك أتَتْك آياتنا فَنَسيتَها ﴾ الإشارة الى الحشر له أعمى ، أى فعلت مثل ذلك الحشر ، وهو أنك تركت آياتنا فنسيتها ، وكنت فى سن الشباب أتأول مثل هذا التشبيه خروجاً عن تشبيه الشىء بنفسه ، بأن نفس وقوع الشىء مثلا غير وصفه ، فإنَّ ارتسامه فى نفس السامع لا بد أنه غيره ، فنقول هنا مثل ذلك الإتيان البديع ، أتتك آياتنا ، ويجوز الحكم بإقحام الكاف ، أى أتتك آياتنا ذلك الإتيان ، وقس على ذلك مثله فى القرآ ، وإذا وجدت مشبهاً به ، فاعمل عليه بلا إشكال ، ولا حاجة الى التأويل والنسيان أشد إعراضاً عن الشىء ، ممن لم ينس والمشبه ، والمشبه به موجودان فى قوله تعالى :

﴿ وكَذلك اليَوْم تُنْسى ﴾ تترك عن الخير الى الشرك كما تركت آيتانا ، فأنت باق على العمى لا تبصر الا لتشاهد امرأ فظيعاً أشد من العمى ، وعن عكرمة لا يرى شيئاً إلا النار ، أى بعد دخولها ، ونسيان القرآن غير كبيرة ، وهو زواله عن الحافظة ، وإنما الكبيرة ترك العمل به ، ويحمل ما رد فى عقاب ناسيه على تارك العمل به ، أو على من تهاون به تهاوناً حتى نسيه ، فهناك كبيرتان : كبيرة التهاون ، وكبيرة نسيانه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٧٤