سورة طه · الآية ٩٤ من ١٣٥

‹ السورة السابقة
قَالَ یَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡیَتِی وَلَا بِرَأۡسِیۤۖ إِنِّی خَشِیتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَیۡنَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِی٩٤
الرسم الإملائيّ

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي

الجزء ١٦الربع ١٢٧ صفحة ٣١٨

تفسيرها

[سورة طه — آية 94]

﴿قَالَ : يَا ابْنَ أُمَّ﴾ خص الأم استعطافا وترفيقا ، وقيل: لأنه أخوه من أمه. ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أي: شعر رأسي ، قبض عليهما بجره إليه من شدة عيظه ، وقوة غضبه لله . وكان عليه السلام حديدا خشنا متصلبا في كل شيء ، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل. ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ : فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض ، ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ حين قلت: ﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ﴾ ، وإن الإصلاح كان في حفظ الدهماء ، والمدراة بهم إلى أن ترجع إليهم ، فتدارك الأمر برأيك.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٢

[سورة طه — آية 94]

﴿ قَالَ ﴾ موسى لهارون لما رجع ورأى أنهم اتخذوا العجل : ﴿ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي . قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ وقد قال في آية أخرى : ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ [ الأعراف : 150 ] .

﴿ إنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ أي : ولم تنتظر أمري ، يعني الميعاد برجوعه ، ولقد تركتهم وجئت ، وقد استخلفتك فيهم . يقول لو اتبعتك وتركتهم لخشيت أن تقول لي هذا القول . ثم أقبل موسى على السامري ف ﴿ قَالَ ﴾ له :

﴿ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ ﴾ أي ما حاجتك؟ ﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾ يعني بني إسرائيل ﴿ فَنَبَذتُّهَا ﴾ أي : ألقيتها في العجل ، أي حين صاغه ، وكان صائغاً . فخار العجل ، وهي في قراءة ابن مسعود : من أثر الفرس؛ كان أخذها من أثر فرس جبريل فَصَرَّها في عمامته يوم قطع البحر فكانت معه .

ذكر ابن عباس أن هارون أتى على السامري وهو يصنع . فقال : ما تصنع؟ قال : أصنع ما يضر ولا ينفع . فقال هارون : اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه . فلما صنعه قال : اللهم إني أسألك أن يخور ، فخار العجل ، وذلك لدعوة هارون .

قوله عز وجل : ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ أي : وكذلك زيّنت لي نفسي : أي : وقع في نفسي إذا ألقيتها في العجل خار .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٢

[سورة طه — آية 94]

﴿ قال يَبْنَؤمّ ﴾ قلبت ياء المتكلم ألفاً بعد فتح ما قبلها ، وحذفت الألف تخفيفاً ، وهو شقيقة على الصحيح ، ولكن ذكر الأم فقط استعطافاً ، والقول بعد أخذ موسى بشعر رأسه بيمينه ، وبلحيته بشماله ، غضباً عليه ، إذ خطر فى قلبه أنه قصر ، وكا شديد الغضب لا تَأخُذ بلحْيَتى شعر الوجه والذقن ، وهو المشهور والمتعاهد في هذا اللفظ ، لا موضعه من الوجه والذقن ، كما قيل ، لأن الأخذ بالشعر أنسب ، ولو كان اللحى اسماً للموضع .

﴿ ولاَ برأسى ﴾ شعر رأسى لأنه أنسب بالأخذ من نفس الرأس ﴿ إنِّى خَشِيتُ ﴾ لَم أعْص أمرك ، ولكن خشيت بقتالهمن أو اللحوق بك الى الطور بمن معى ﴿ أن تَقُول فَرَّقْت بيَن بنى إسرائيل ﴾ بقتالك إياهم ، أو اللحوق ، وربما جر اللحوق وحده الى القتال الموجب للافتراق المستمر ، وهم كإنسان واحد ، إذ كانوا لأب واحد ، إسرائيل حتى إنهم سموا بنى إسرائيل بدل التسمية بالقوم ﴿ ولم تَرْقُب ﴾ لم تراع ﴿ قَوْلى ﴾ وصيتى لك فيهم إذ استخلفتك فيهم ، وقلت : ﴿ اخلفنى فى قومى وأصلح ﴾ إلخ ، والعطف على فرقت ، وحاصل اعتذار هارون أنه رأى البقاء فيهم مع النهي ، ومدراتهم والمحافظة على اجتماعهم ، الى أن يأتى موسى فيرى ، رأيه أصلح ولا سيما أنهم استضعفوه وكادوا يقتلونه ، ويجوز أن يراد بالقول فى : ﴿ ولم ترقب قولى ﴾ قول هارون فيكون الخطاب في ترقب لموسى أى لم ترقب يا موسى ، ما أقول لو قاتلهم أو لحقت بك ، من أن ذلك صلاح ، أى أن تقول غير مراقب قولى ، فرقت بينهم ، وفى ذلك دليل على جواز الاجتهاد .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٤٤٢