سورة الأنبياء · الآية ٨٢ من ١١٢

‹ السورة السابقة
وَمِنَ ٱلشَّیَٰطِینِ مَن یَغُوصُونَ لَهُۥ وَیَعۡمَلُونَ عَمَلࣰا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِینَ٨٢
الرسم الإملائيّ

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ

الجزء ١٧الربع ١٣١ صفحة ٣٢٩

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 82]

﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار ، ويخرجون نفائسها ، ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ ويتجاوزن ذلك إلى أعمال أخرى ، كبناء المدن والقصور ، واختراع الصنائع الغريبة ، لقوله:﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء ﴾ ، ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره ، أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٥

[سورة الأنبياء — آية 82]

قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ﴾ وهذا على الجماعة ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي : عملاً دون الغوص ، وكانوا يغوصون في البحر ويخرجون اللؤلؤ . وقال في آية أخرى : ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ [ سورة ص : 37 ] .

قال بعضهم : ورث سليمان داوود نبوته وملكه ، وزاد سليمان على ذلك أن سخر له الريح والشياطين .

قوله تعالى : ﴿ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ﴾ أي : حفظهم الله لا يذهبون ويتركونه ، وكانوا مسخّرين له .

وقال الحسن : لم يسخر له في هذه الأعمال وفيما يصفد ، يجعلهم في السلاسل ، من الجن إلا الكفار منهم . واسم الشيطان لا يقع إلا على الكافر من الجن .

وذكر بعضهم قال : أمر سليمان ببناء بيت المقدس فقالوا له : زوبعة الشيطان له عين في جزيرة في البحر ، يَرِدها في كل سبعة أيام يوماً . فنزحوها ، ثم صبوا فيها خمراً ، فجاء لوِرده . فلما أبصر الخمر قال في كلام له : ما علمت ، إنك إذا شربك صاحبك لَمَماً يظهر عليه عدُوُّه ، في أساجع له [ لا أذوقك اليوم ] . فذهب ثم رجع لظِمء آخر . فلما رآها قال كما قال أول مرة ، ثم ذهب فلم يشرب حتى جاء لظمء آخر .

[ قال : ما علمت إنك لتذهبين الهمَّ في سجع له ] فشرب منها فسكر . فجاءوا إليه ، فأروه خاتم السخرة ، فانطلق معهم إلى سليمان . فأمرهم بالبناء ، فقال زوبعة : دُلّوني على عُشّ الهدهد . فدُلَّ على عُشّه . فأكبّ عليه جمجمة ، يعني زجاجة . فجاء الهدهد ، فجعل لا يصل إليه . فانطلق فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت ، فوضعه عليها فَقَطَّ الزجاجة نصفين . ثم ذهب ليأخذه فأزعجوه ، فجاءوا بالماس إلى سليمان . فجعلوا يستعرضون به الجبال كأنما يخطّون في نواحيها في الطين .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٥

[سورة الأنبياء — آية 82]

﴿ ومن الشَّياطين ﴾ عطف على مع ( من ) عطف على الجبال بحد ما مر أو ذلك مبتدأ وخبر ، والأول أولى لزيادة انسحاب التسخير فيه ﴿ مَنْ يغوصون له ﴾ يدخلون تحت ماء البحر لأجله ، يستخرجون منه النفائس ، والواو بمعنى من ، والجملة نعت لمن لا صلة لها ، إذ لها عهد للغوص لنا قبل نزول الآية ، وإن كان فذهنى وهو خلاف الأصل ، ويروى أنه رأى بحرا عميقا جدا فأمر الشياطين بالغوص فيه ، فاخرجوا منخ قبة بيضاء ، فقال : يا رب أريد أن أعلم ما فيها ففتحها الله تعالى له ، فإذا فيها رجل جميل بلباس جيمل ، فقال له : أبشر أنت أم جنى؟ قال : بشر ، قال : ما حالك؟ قال : كنت أطيع أمى وأحملها على ظهرى وبين يدى ، ودعت لى أن يجعل الله تعالى موضعاً أعبد فيه ليس سماء ولا أرضا ، وماتت وأتيت ساحل البحر ، ورأيت هذه القبة ، وأعجبتنى فدخلتها ، فانتقلت بى ولا أدرى أفى البحر أنا أم فى البر أم فى السماء ، فقال : بم تعرف الليل والنهار؟ قال : تضاء عند الفجر ويزال الضوء عند الغروب ، قال : ما تأكل وما تشرب؟ قال : طعام وشراب كلاهما أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، قال : ادع الله أن يردنى حيث كنت فغلقت عليه ، فعاد .

﴿ ويعلمونَ عَملاً ﴾ كثيراً ﴿ دُون ذلكَ ﴾ كبناء القصور ، والمدن ، وابتداع الصنائع الغريبة كالحمام والنورة والطاحون والقوارير ، كما قال الله عز وجل : ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ﴾ الآية ، وقيل الصابون من ذلك ، واختير أنه من صناعة هرمس وأندوخيا ، وقيل من بقراط وجالينوس ، وقيل أول من صنعه الفارابى فى دمشق ، والجن أجسام لطيفة عاقلة نارية ، ومع لطفها تعمل الأعمال الشاقة ، كالريح تقلع وتهدم مع لطفها ، والشياطين الذين يستخدمهم كفار فحل استخدامهم قهراً كالجزية ، والمتبادر من لفظ الشيطان الكفر ، ويناسب ذلك قوله تعالى : ﴿ وكُنَّا لهم حافظين ﴾ بتوكيل جماعات من الملائكة ، ومن مؤمنى الجن عليهم عن أن يخبلوا الناس ، أو يقتلوهم ، وعن أن يفسدوا ليلا ما عملوه بالنهار ، وعن أن يزيغوا عن أمره ، استعمل الله له ما لطيف وهو الريح والشياطين ، ولداود الأشياء الكثيفة الغليظة ، وليس كما قال الجبائى : إن الله عز وجل كثف أجسام الجن لسليمان لتعمل الأمور الشاقة ، ولما مات ردها الى لطفها لئلا يلبس بهم على الناس من يتنبأ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٥