وَأَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ٨٣
الرسم الإملائيّ
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
الجزء ١٧الربع ١٣٢ صفحة ٣٢٩
تفسيرها
﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أصابني الجهد والمشقة ، ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وصف ربه بغاية الرحمة ، بعدما ذكر نفسه بما يوجبها ، واكتفى بذلك عن غرض المطلوب لطفا في السؤال . ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ قيل: ولد له ضعف ما كان ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ رحمة عليه ، وتذكرة للعابدين ، ليصبروا كما صبر ، فيثابوا كما أثيب ، أو لرحمتنا للعابدين ، فإنا نذكرهم بالإحسان ولا ننساهم.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٦
قوله تعالى : ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ ﴾ أي : المرض . وقال الحسن : هو كقوله : ﴿ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ سورة ص : 41 ] .
قال الحسن : إن إبليس قال : يا ربّ ، هل من عبيدك عبد إن سلطتني عليه امتنع مني؟ قال : نعم ، عبدي أيوب . قال : فسلّطني عليه .
قال : فسلّطه عليه ليجهد جهده ويضلّه بخباله وغروره ، فامتنع منه . قال إبليس : يا ربّ ، إنه قد امتنع مني ، فسلّطني على ماله . فسلّطه على ماله فجعل يُهلك ماله صنفاً صنفاً ، ويأتيه فيقول له : يا أيوب ، هلك مالك في كذا وكذا ، فيقول : الحمد لله ، اللهم أنت الذي أعطيتني ، وأنت الذي أخذته منّي ، إن تبق لي نفسي أحمدك على بلائك . فقال إبليس : يا ربّ ، إن أيوب لا يبالي بماله ، فسلّطني على ولده ، [ فسلطه الله عليهم ] فجعل يهلكهم واحداً واحداً حتى هلكوا جميعاً .
فقال إبليس : يا رب ، إن أيوب لم يبال بولده ، فسلّطني على جسده ، فسلّطه الله عليه . فمكث سبع سنين وأشهراً حتى وقعت الأكلة في جسده . وبلغنا أن الدودة كانت تقع من جسده فيردّها في مكانها فيقول : كُلِي مما رزقك الله من لحمي . قال الحسن : فدعا ربه : ﴿ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ سورة ص : 41 ] وقال في هذه الآية : ﴿ إنّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .
فأوحى الله إليه أن اركض برجلك . فركض برجله ركضة فإذا هو يستطيع القيام ، وإذا عين فاغتسل منها ، فأذهب الله تبارك وتعالى ظاهر دائه . ثم مشى على رجليه أربعين ذراعاً ، ثم قيل له : اركض برجلك أيضاً ركضة ، فركض ركضة أخرى [ فإذا عين فشرب منها ] ، فأذهب الله تبارك وتعالى باطن دائه ، وردّ عليه أهله وأولاده وأمواله من البقر والغنم والحيوان وكل شيء أهلك بعينه . ثم أبقاه الله فيها حتى وهب الله له من نسولها أمثالها . فهو قوله : ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ ﴾ .
وقال الحسن : إن الله أحيى أولاد أيوب بأعيانهم ، وكانوا ماتوا قبل آجالهم ، وإن الله أبقاهم حتى أعطاه من نسولهم مثلهم . ثم إن إبليس قال : يا أيوب ، وهو يأتيه عياناً ، اذبح لي سخلة من غنمك ، قال : لا ، ولا كفّاً من تراب .
ذكروا عن ابن مسعود أنه كان يقول : لا يبلغ العبد الكفر والإِشراك بالله حتى يصلي لغير الله ، أو يدعو غير الله ، أو يذبح لغير الله .
ذكروا عن الحسن أنه قال : إن الله تبارك وتعالى يحتج على الناس يوم القيامة بثلاثة من الأنبياء ، فيجيء العبد فيقول : رب أعطيتني في الدنيا جمالاً فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله : الجمال الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الجمال الذي أعطي يوسف؟ فيقول العبد : بل الجمال الذي أعطي يوسف .
فيقول الله : إن يوسف كان يعمل بطاعتي فيحتج عليه بذلك . ويأتي العبد فيقول : يا رب ، ابتليتني في الدنيا ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول البلاء : أالبلاء الذي ابتليت به في الدنيا أشد أم البلاء الذي ابتلي به أيوب؟ فيقول العبد : بل البلاء الذي ابتلي به أيوب . فيقول الله : قد كان أيوب يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك . ويجيء العبد فيقول : يا رب ، أعطيتني ملكاً في الدنيا فأعجبت به ، ولولا ذلك لعملت بطاعتك ، فيقول الله تبارك وتعالى : أالملك الذي أعطيتك في الدنيا أفضل أم الملك الذي أعطي سليمان بن داوود؟ فيقول العبد : بل الملك الذي أعطي سليمان بن داوود . فيقول الله : قد كان سليمان يعمل بطاعتي ، فيحتج عليه بذلك .
ذكر الحسن أن أيوب لم يبلغه شيء يقوله الناس كان أشد عليه من قولهم : لو كان نبيّاً ما ابتلي بالذي ابتلي به . فدعا الله فقال : اللهمّ إنك تعلم أني لم أعمل حسنة في العلانية إلا عملت مثلها في السرّ ، فاكشف ما بي من الضر ، وأنت أرحم الراحمين . فاستجاب الله له ، فوقع ساجداً ، وأمطر عليه فراش الذهب ، فجعل يلتقطه ويجمعه .
قوله عز وجل : ﴿ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى للْعَابِدِينَ ﴾ أي أن الذي كان ابتلي به أيوب لم يكن من هوانه على الله ، ولكن أرادا لله كرامته بذلك . وجعل ذلك عزاء للعابدين بعده فيما يبتلون به . وهو قوله عزّ وجل : ﴿ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٦
﴿ وأيُّوب ﴾ عطف على نوحاً أو اذكر أيوب ، أو لا تنس أيوب إذا ذكرت لك شأنه ، وهو ابن أموص بن رزاح بن عيض بن إسحاق ، وقيل أمه بنت لوط ، ويقال أيوب بن أموص بن تارخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ، ويقال كان أبوه مؤمناً بإبراهيم ، وقال ابن جرير ، كان بعد شعيب ، وقال ابن خيثمة : بعد سليمان ، وقال الكلبى : بعد يونس ، وهو من بنى إسرائيل فى قول ، وقيل من الروم ، وأنه لا نبى منهم إلا هو ، ويقال امرأته ما شر بنت ميشا بن يوسف .
﴿ إذْ نادَى ربَّه أنِّى ﴾ بأنى ﴿ مسَّنى الضُّر ﴾ هو ما فى الناس من مرض وهزال نحوهما ، وبالتفتح يعم ذلك وغيره ، وقيل عامان سواء سلط الله عليه مرضا حتى كان كلحم فى وضم ، وحتى بولغ بأنه لم يبق إلا لسانه وقلبه وعيناه ، وتأويله أنه لم يصبهن مرض ، وأصاب باقى حسده ، وكان ملقى فى كناسة بيت المقدس ، لا يقربه أحد إلا زوجه رحمة بنت أفرائيم ابن يوسف ابن يعقوب ، وتسلط الدود فى جسده ، وتقع واحدة فيردها ويقال : كلى رزقك ، قلت : لا يصح هذا ، بل لا يجوز فكيف يفعله ويخرج فى بدنه مثل ثدى المرأة ، ثم ينفتق .
قيل : سببه أنه استعان به مسكين على دفع ظلم ، فلم يعنه ، وقيل أجدب الشام فقال له فرعون : الحق بى فعندى سعة ، فأقطع له أرضا واتفق أنه دخل شعيب على فرعون وهو عنده وقال : أما تخاف أن يغضب الله فتغضب له السموات والأرض والجبال والبحار ، ولم يعنه أيوب فقال الله عز وجلّ : اتسكت على إعانة شعيب على فرعون لأجل أن دعاك الى أرضه أنى أبتليك قال : فدينى ، قال : أسلمه لك ، فقال : لا أبالى والله أعلم بصحة ذلك .
وكان غليظ البدن والأعضاء طويلها ، جميلاً ، وله سبعة بنين وسبع بنات ، وأصناف البهائم ، وخمسمائة فدان ، فى كل واحد عبد له بزوج وولد ، ويقال له ثلاثة آلاف بعير ، وسبعة آلاف شاة ، وذهب ذلك كله ، ثلاثا أو سبعة أيام وسبع ساعات ، وعمره إذا ذاك سبعون أو ثمانون أو أكثر ، وعمره كله ثلاث وتسعون أو أكثر ، وسبب دعائه أن إبليس أتى زوجه فى صورة عظيمة ، وقال : أنا إله الأرض ، غضبت على زوجك إذ عبد إله السماء دونى ، فإن سجدت لى سجدة أرده الى حاله ، فأخبرت أيوب بذلك ، فقال : لعلك افتتنت باللعين وطردها ، وحلف لا يقبل طعامها وشرابها ، ولئن عفانى الله لأضربنك مائة سوط ، فبقى فريداً ، فحينئذ قال : ﴿ رب إنى ﴾ الخ .
وعن الحسن مر به رجلان فقال أحدهما للآخر : لو أحبه الله أم يفعل به هذا ، فقال : ﴿ رب ﴾ إلخ ، ومثله ما قيل إنه لو كان نبيا لم يفعل الله تعالى به ذلك ، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم : « نهض ليصلى فلم يقدر فقال رب إنى مسنى الضر » .
﴿ وأنت أرْحَم الراحِمِين ﴾ أرحم من كلّ راحم ، وكل رحمة من مخلوق رحمة من الله ، خلقها على يده ، وذلك دعاء بألطف وجه وأبلغه ، إذ لم يقل : اشفنى أو أزل عنى هذا الضر ، ومن هذا الباب أن امرأة شكت الى بعض ولد سعد بن عبادة قلة الفأر فى بيتها ، فقال : املئوا بيتها خبزاً وسمنا ولحما ، تريد ما فى بيتى ما يأكل الفأر .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٦٦