سورة النور · الآية ٣٥ من ٦٤

‹ السورة السابقة
ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةࣲ فِیهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِی زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبࣱ دُرِّیࣱّ یُوقَدُ مِن شَجَرَةࣲ مُّبَٰرَكَةࣲ زَیۡتُونَةࣲ لَّا شَرۡقِیَّةࣲ وَلَا غَرۡبِیَّةࣲ یَكَادُ زَیۡتُهَا یُضِیۤءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارࣱۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورࣲۚ یَهۡدِی ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَیَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ٣٥
الرسم الإملائيّ

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

الجزء ١٨الربع ١٤٢ صفحة ٣٥٤

تفسيرها

[سورة النور — آية 35]

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (ومن كتب أصحابنا:" وعن قول الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المعنى: لعله أنه الهادي لمن في السماوات والأرض). النور في الأصل : كيفية تدركها الباصرة أولا ، وبواسطتها سائر المبصرات ، كالكيفية من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف ، كقولك: زيد كرم ، بمعنى : ذو كرم . أو على تجوز ، إما بمعنى: منور السماوات والأرض ، وقد قرىء به ، وأن الله تعالى نورها بالكواكب ، وما يفيض عليها من الأنوار ، أو بالملائكة والأنبياء . أو مدبرها – من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم ، لأنهم يهتدون به في الأمور – وموجدها ، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وأصل الظهور هو الوجود ، كما أن أصل الخفاء هو العدم ، والله سبحانه موجود بذاته موجد لما عداه. أو للذي به يدرك. أو يدرك أهلها ، من حيث أنه يطلق على الباصرة لتعلقها به ، أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ، ثم على البصيرة ، لأنها أقوى إدراكا ، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات للموجودات والمعدومات ، وتغوص في بواطنها وتنصرف فيها بالتراكيب والتحليل ، ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها ، وإلا لما فارقتها ، فهي إذن من سبب يفيضها عليها ، وهو الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ، ولذلك سموا أنوارا . ويقرب منه قول ابن عباس:" معناه هادي من فيهما ". فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه. أو لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية ، قصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما ، والمدلول لهما.

﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه ، دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره ، ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ كصفة مشكاة: وهي الكوة الغير النافذة ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج ضخم ثاقب ، وقيل المشكاة: الأنبوب في وسط القنديل ، والمصباح: الفتيلة المشتعلة ، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديل من الزجاج ، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته ، منسوب إلى الدر ، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ أي: ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه ، بأن رويت ذبالتها بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ، ثم إبدال الزيتونة عنه تفخيم لشأنها ، ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تقع عليها الشمس حينا بعد حين ، بل بحيث تقع عليها طوال النهار ، كالتي تكون على قلة ، أو صحراء واسعة ، فإن ثمرتها تكون أنضج ، وزيتها أصفى ، أو لأنها نابتة في شرق المعمورة وغربها ، بل في وسطها ، وهو الشام ، فإن زيتونه أجود الزيتون ، أو لأنها ﴿لا﴾ في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ، ولا مقنأة تغيب عنها دائما فتتركها نيا. وفي الحديث:"لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة ، ولا خير فيهما في مضحى".

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار ، لتلألئه ، وفرط بيضه ، ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نور متضاعف ، فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت ، وزهرة القنديل ، وضبط المشكاة لأشعته.

وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه:

- الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات ، في جلاء مدلولها ، وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث ﴿أنه﴾ محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم ، وإنما ولى بالمصباح الكاف المشكاة﴿كذا﴾ لاشتمالها عليه ، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس.

- أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم ، بنور المشكاة ، والمثبت فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبي:" مثل نور المؤمن".

- أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة ، التي ينوط بها المعاش والمعاد ، وهي الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات ، لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعملية تدرك الحقائق الكلية ، والفكرة: وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم يعلم ، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب ، وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء ، والمعنية بقوله تعالى:﴿ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية ، وهي: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت ، فإن الحساسة كالمشكاة ، لأن محلها كالكوى ، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ما وراءها ، وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب ، وضبطها للأنوار العقلية ، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات ، والعاقلة: كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية ، والمعارف الإلهية ، والفكرة كالشجرة المباركة لتؤديها إلى ثمرات لا نهاية لها.

الزيتونة: المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصباح ، التي لا تكون شرقية ولا غربية ، لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلتين ، منتفعة من الجانبين . والقوة القدسية كالزيت ، فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف ، من غير تفكير ولا تعليم ، ولا تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك ، فإنها في مبدإ أمرها خالية عن العلوم ، مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ، بحيث يتمكن من تحصيل النظريات ، فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها ، قابلة للأنوار ، وذلك التمكن إن كان تفكرا واجتهادا ، فكالشجرة الزيتونة ، وإن كان بالحدس فكالزيت ، وإن كان بقوة قدسية ، فكالذي يكاد زيتها يضيء ، لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي ، والإلهام الذي مثله النار ، من حيث أن العقول تشتعل منهما ، ثم إذا حصلت لها العوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت ، كان كالمصباح ، فإذا استحضرها كان نورا على نور.

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ لهذا النور الثاقب ﴿مَن يَشَاء﴾ فإن الأسباب دون مشيئته لاغية ، إذ بها تمامها ، ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ إدناء للعقول من المحسوس ، توضيحا وبيانا ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا كان أو خفيا ، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ، ولم يكترث بها.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٦

[سورة النور — آية 35]

قوله تعالى : ﴿ الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُّوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

أما قوله : ﴿ مَثَل نُورِهِ ﴾ أي : فمثل نوره الذي أعطى المؤمن في قلبه ( كَمِشْكَاةٍ ) والمشكاة : الكوّة في البيت التي ليست بنافذة ، وهي بلسان الحبشة . وهي مثل صدر المؤمن .

﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو النور الذي في قلب المؤمن . قال : ﴿ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ صافية ، والزجاجة القنديل ، وهو مثل قلب المؤمن ، قلبه صاف .

﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كُوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي : عظيم مضيء ( يُوقَدُ ) يقرأ على وجهين : يوقد وتوقد ، فمن قرأها بالياء فهو يعني المصباح ، ومن قرأها بالتاء فهو يعني الزجاجة بما فيها ، فكذلك قلب المؤمن يتوقّد نوراً .

﴿ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ﴾ وهي مثل قلب المؤمن . ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ولاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ أي : لا شرقية تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت . ولا غربية تصيبها الشمس إذا غربت ولا تصيبها إذا أشرقت؛ أي : ليس يغلب عليها الشرق دون الغرب ، ولا الغرب دون الشرق ، ولكن يصيبها الشرق والغرب . وقال بعضهم : لا يفيء عليها ظل شرقي ولا غربي؛ هي ضاحية للشمس ، وهي أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه .

وقال بعضهم : لا يصيبها فيء شرق ولا فيء غرب ، هي في سفح جبل ، وهي شديدة الخضرة . وهي مثل المؤمن . ( لاَّ شَرْقِيَّةٍ ) أي : لا نصرانية تصلّي إلى الشرق ، ( وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ) أي : ولا يهودية تصلّى إلى المغرب ، أي : إلى بيت المقدس . الموضع الذي نزل فيه القرآن غربيّه بيت المقدس .

﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ أي : يكاد زيت الزجاجة يضيء ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ وهو مثل قلب المؤمن يكاد أن يعرف الحق من قبل أن يُبَيَّنَ لَهُ فيما يذهب إليه قلبه من موافقة الحق فيما أمر به ، وفيما يذهب إليه من كراهية ما نهى عنه؛ وهو مثل لقوله : ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ .

قال : ﴿ نُّورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ أي : نور النار على الزيت في المصباح . فكذلك قلب المؤمن إذا تبيّن له الحق صار نوراً على نور ، كما صار المصباح حين جعلت فيه النار نوراً على نور : نور الزجاجة ، ونور الزيت ، ونور المصباح .

قال : ﴿ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي : لدينه ﴿ وَيَضْرِبُ الله الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٦

[سورة النور — آية 35]

﴿ اللهُ نُور السَّموات والأرْض ﴾ أى الظاهر فيهن كظهور النور وإظهاره غيره فى الظلمة ، بإيجادهن وإيجاد ما فيهن ، والتصرف فى الكل والابقاء والافناء ، وارسال الرسل ، وإنزال الكتب والهداية لمن فيهما الى صلاح الدين والمعاش ، ولولا فعله ذلك كن مظلمات ظلمة حسية وعقلية ، كعدم الشمس نحوها ، وكالجهل والجور ، او المعنى ذو نور السموات والأرض هاديهما ، أى هادى من فيهما ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ يخرجهم من الظلمات الى النور ﴾ أى من الباطل الى الحق ، وقال : « يهدى الله لنوره من يشاء » وأضاف النور الى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وإضاءته ، كأنهن أضأن به إضاءة حسية مالية لهن .

﴿ مثل نُوره ﴾ بمعناه المذكور ، وعن ابن عباس : النور هنا القرآن ، وذلك كقوله عز وجل : ﴿ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ وقيل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ كمشكاة ﴾ كنور مشكاة ، أى النور الذى فيها ، وضوء المشكاة أقوى لأنه يجتمع منعكساً ، بخلاف الضوء فى بسيط من الأرض ، وذلك تشبيه للمعقول بالمحسوس ، وهى فسحة فى نحو حائط غير نافذة ، وهو عربى أصله مشكوة ، قلبت الواو ألفاً لتحركها بعد فتحة ، وقيل : حبشى عرب ، وقيل : رومى عرب وفى الآية تشبيه الأعلى بالأدنى ، قال أبو تمام يمدح المأمون :

إقدام عمرو فى سماحة حاتم … فى حلم أحنف فى ذكاء أياس

فقيل له : إن الخليفة فوق من مثلته بهم فقال :

لا تنكروا ضربى له من دونه … مثلا شروداً فى الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس

ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ كأنهن الياقوت والمرجان ﴾ ﴿ فيها مصْباحٌ ﴾ سراح كبير ، وقيل فتيلة ﴿ المصْباحُ ﴾ المذكور ﴿ فى زْجاجةٍ ﴾ صافية زهراء ﴿ الزجاجة ﴾ المذكورة ﴿ كأنَّها كوكبٌ دُرىٌّ ﴾ منسب الى الدرة الصافية المنيرة ، او الى الدرى بهمزة قلبت ياء وأدغمت فيها الياء من الدرء بمعنى الدفع ، يدفع الظلمة ، ولكن فعيل بضم الفاء وكسر العين مشدد ، وإسكان الياء قليل ، ورد منه ذرية وسرية وعلية ، ومريق لحب العصفر والفرس السمين ، ومريخ لما فى داخل القرن ، وقيل أصله دروء فى ذرية وسرية ، قلبت الغمة كسرة ، قالوا ياء والهمزة ياء ، وكذا قيل فى ذرية ، نسب الى لاذر إذ خرجوا من آدم كالذر وضم شذوذاً .

﴿ يوقدُ ﴾ أى المصباح فالجملة خبر ثان للمصباح ، أو حال أو مفعول ، أو مستأنفة ﴿ من شَجرةٍ ﴾ من زيت شجرة بواسطته فتيلة ﴿ مباركة ﴾ كثر الله فيها المنافع ، وأنبتها فى الأرض التى بارك فيها للعالمين ، وبارك فيها سبعون نبياً منهم ابراهيم عليهم السلام ﴿ زيتونةٍ ﴾ شجرة الزيت بدل من شجرة ، أو عطف بيان نمها على جوازه فى النكرات ، قال صلى الله عليه وسلم : « إيتداموا بالزيت وادّهنوا به فانه من شجرة مباركة »

قالت عائشة رضى الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بأكل الزيت والادهان به ، والسعوط ، ويقول : « إنه من شجرة مباركة » وعنه صلى الله عليه وسلم : « يأكل الخبز به » وعنه : « أنه مصحة من البواسير » وروى أنه أكل لسان ساة مطبوخاً بالشعير وفيه الزيت والتوابل .

﴿ لا شرقيةٍ ﴾ عطف على محذوف ، أو متوسطة لا شرقية وقيل : مجموع لا ، ومدخولها نعت شجرة ، ظهر الاعراب فيما بعدها ، وقيل : هى اسم بمعنى غير مضاف لما بعده نعت للشجرة ، أى غير شرقية ﴿ ولا غربية ﴾ فهى متوسطة فى البستان ضاحية للشمس ، لا تحجب عنها ، وذلك أجود وأكثر لزيتها ، وقيل : ليست من شجر الغرب ، ولا من شجر الشرق ، بل من شجر وسط الأرض وهو الشام ، وزته أجود زيت ، وقيل ليست فى موضع تصيبه الشمس خاصة ، ولا موضع يصيبه الظل خاصة ، بل فى موضع يصيبانه ، تصيبه الشمس عند طلوعها وعند غروبها ، فهى شرقية وغربية ، وقيل فى وسط البستان ، وقيل : من شجر الجنة لا فى الدنيا ، وما فى الدنيا غربى أو شرقى لا بد ، أى لا فى شرق الأرض ولا فى غربها .

﴿ يكاد زيتُها يضىء ولو لَمْ تَمْسَسْه نارٌ ﴾ لشدة صفائه ، الواو الداخلة على لو وأن الوصلتين عاطفة على محذوف مقابل لما بعدهما ، ولو كان لا يذكر ، ولا بأس أن تقول لنا معطوف عليه محذوف أبداً ، وهو هذا الباب ، أى لو مسته نار ، ولو لم تمسسه نار ، ويقال ترتب الجزاء على المعطوف عليه ، يغنى عن ذكره ، حتى إن ذكره كالتكرار ، ولا وجه لجعلها مالية ، لأنه لا خارج للشرط يقيد به فضلا عن أن تكون حالية ، وليست حالية مؤكدة لصاحبها ، أو عاملها ، وقولهم واو الاستئناف وواو الاعتراض ، لأن الاعتراض ليس من معانى الحروف ، ولا الاستئناف كما زعموا ، ولا يصح جعل الجملتين حالا كما قيل ، لأن الشرطية تعطل ذلك .

﴿ نورٌ على نُور ﴾ أى هو نور عظيم ثابت ، على نور عظيم ، والمراد النور المذكور فى قوله تعالى : ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ والمعنى نور مضاعف من غير تحديد ، ومعنى الاستعلاء بعلى الصحبة والترادف بلا غاية ﴿ يهدى اللهُ ﴾ هداية توفيق ، لا هداية بيان فقط ﴿ لنوره مَنْ يشَاءُ ﴾ هدايته بالتوفيق وإخلاص العمل ﴿ ويضربُ الله الأمثال للنَّاس ﴾ من شأنه فى القرآن ضرب الأمثال ، أى وضعها للافهام ، لأن فيها دخلا عظيماً فى الارشاد ، كما برز فى المعنى المعقول فى صورة المحسوس ، لا يخفى أن دلائل الله كالقرآن ، كالنور فى الوضوح والايضاح ﴿ والله بكل شىء عليمٌ ﴾ من كل من يستحق الهداية التوفيقية ، ومن لا يستحقها ، وما يعقل وما يحس ، وما يظهر وما يبطن .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٦