سورة النور
الجزء النور · صفحة ٠﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (ومن كتب أصحابنا:" وعن قول الله : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المعنى: لعله أنه الهادي لمن في السماوات والأرض). النور في الأصل : كيفية تدركها الباصرة أولا ، وبواسطتها سائر المبصرات ، كالكيفية من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف ، كقولك: زيد كرم ، بمعنى : ذو كرم . أو على تجوز ، إما بمعنى: منور السماوات والأرض ، وقد قرىء به ، وأن الله تعالى نورها بالكواكب ، وما يفيض عليها من الأنوار ، أو بالملائكة والأنبياء . أو مدبرها – من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم ، لأنهم يهتدون به في الأمور – وموجدها ، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وأصل الظهور هو الوجود ، كما أن أصل الخفاء هو العدم ، والله سبحانه موجود بذاته موجد لما عداه. أو للذي به يدرك. أو يدرك أهلها ، من حيث أنه يطلق على الباصرة لتعلقها به ، أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ، ثم على البصيرة ، لأنها أقوى إدراكا ، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات للموجودات والمعدومات ، وتغوص في بواطنها وتنصرف فيها بالتراكيب والتحليل ، ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها ، وإلا لما فارقتها ، فهي إذن من سبب يفيضها عليها ، وهو الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ، ولذلك سموا أنوارا . ويقرب منه قول ابن عباس:" معناه هادي من فيهما ". فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه. أو لاشتمالها على الأنوار الحسية والعقلية ، قصور الإدراكات البشرية عليهما وعلى المتعلق بهما ، والمدلول لهما.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه ، دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره ، ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ كصفة مشكاة: وهي الكوة الغير النافذة ، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج ضخم ثاقب ، وقيل المشكاة: الأنبوب في وسط القنديل ، والمصباح: الفتيلة المشتعلة ، ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديل من الزجاج ، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته ، منسوب إلى الدر ، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ﴾ أي: ابتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه ، بأن رويت ذبالتها بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ، ثم إبدال الزيتونة عنه تفخيم لشأنها ، ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تقع عليها الشمس حينا بعد حين ، بل بحيث تقع عليها طوال النهار ، كالتي تكون على قلة ، أو صحراء واسعة ، فإن ثمرتها تكون أنضج ، وزيتها أصفى ، أو لأنها نابتة في شرق المعمورة وغربها ، بل في وسطها ، وهو الشام ، فإن زيتونه أجود الزيتون ، أو لأنها ﴿لا﴾ في مضحى تشرق الشمس عليها دائما فتحرقها ، ولا مقنأة تغيب عنها دائما فتتركها نيا. وفي الحديث:"لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة ، ولا خير فيهما في مضحى".
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار ، لتلألئه ، وفرط بيضه ، ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نور متضاعف ، فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت ، وزهرة القنديل ، وضبط المشكاة لأشعته.
وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه:
- الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات ، في جلاء مدلولها ، وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة، أو تشبيه للهدى من حيث ﴿أنه﴾ محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم ، وإنما ولى بالمصباح الكاف المشكاة﴿كذا﴾ لاشتمالها عليه ، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس.
- أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم ، بنور المشكاة ، والمثبت فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبي:" مثل نور المؤمن".
- أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة ، التي ينوط بها المعاش والمعاد ، وهي الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات ، لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعملية تدرك الحقائق الكلية ، والفكرة: وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم يعلم ، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب ، وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء ، والمعنية بقوله تعالى:﴿ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية ، وهي: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت ، فإن الحساسة كالمشكاة ، لأن محلها كالكوى ، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ما وراءها ، وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب ، وضبطها للأنوار العقلية ، وإنارتها بما يشتمل عليها من المعقولات ، والعاقلة: كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية ، والمعارف الإلهية ، والفكرة كالشجرة المباركة لتؤديها إلى ثمرات لا نهاية لها.
الزيتونة: المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصباح ، التي لا تكون شرقية ولا غربية ، لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلتين ، منتفعة من الجانبين . والقوة القدسية كالزيت ، فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف ، من غير تفكير ولا تعليم ، ولا تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك ، فإنها في مبدإ أمرها خالية عن العلوم ، مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات ، بحيث يتمكن من تحصيل النظريات ، فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها ، قابلة للأنوار ، وذلك التمكن إن كان تفكرا واجتهادا ، فكالشجرة الزيتونة ، وإن كان بالحدس فكالزيت ، وإن كان بقوة قدسية ، فكالذي يكاد زيتها يضيء ، لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي ، والإلهام الذي مثله النار ، من حيث أن العقول تشتعل منهما ، ثم إذا حصلت لها العوم بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت ، كان كالمصباح ، فإذا استحضرها كان نورا على نور.
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ لهذا النور الثاقب ﴿مَن يَشَاء﴾ فإن الأسباب دون مشيئته لاغية ، إذ بها تمامها ، ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ إدناء للعقول من المحسوس ، توضيحا وبيانا ، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا كان أو خفيا ، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها ، ولم يكترث بها.