رِجَالࣱ لَّا تُلۡهِیهِمۡ تِجَٰرَةࣱ وَلَا بَیۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِیتَاۤءِ ٱلزَّكَوٰةِ یَخَافُونَ یَوۡمࣰا تَتَقَلَّبُ فِیهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ٣٧
الرسم الإملائيّ
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
الجزء ١٨الربع ١٤٢ صفحة ٣٥٥
تفسيرها
﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ لا تشغلهم تحامرة(لعله تجارة) معاملة دنياوية رابحة ، وهو يتناول جميع أعمال الدنيا. وخص الرجال بالذكر في هذه المساجد ، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة ، وخص التجارة بالذكر ، لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. ﴿وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عن طاعته وأداء فرائضه ، لقوله:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ مبالغة في باب التعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة ، ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ ما يجب إخراجه من المال للمستحقين.
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ أو لأنهم لا يملكون ثباتها على ما هم عليه من الطاعة مع ما هم عليه من الذكر والطاعة ، ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ تتغير من الهول من هوله﴿كذا﴾ بين طمع في النجاة ، وحذر من الهلاك ، وقيل تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك والكفر ، وتتفتح الأبصار من الأغطية ، ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة . ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولم تخطر ببالهم ، ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقرير للزيادة ، وتنبيه على كمال القدرة ، وإنفاذ المشيئة ، وسعة الإحسان.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٨
قال : ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ ﴾ التجارة الجالب ، والبيع الذي يبيع على يديه ، قال : ﴿ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ ﴾ .
كانوا إذا سمعوا المؤذن تركوا بيعهم وقاموا إلى الصلاة . و ﴿ ذِكْرِ الله ﴾ في هذا الموضع الأذان . ﴿ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ ﴾ يعني الصلوات الخمس ، ﴿ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ ﴾ الزكاة المفروضة .
وهذا الحرف يقرأ على وجهين : ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ أي : في المساجد ﴿ بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ ﴾ ، والحرف الآخر : ﴿ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ ﴾ . ثم قال : ﴿ رِجَالٌ ﴾ ، أي : فهم الذين يسبحون له فيها بالغدو والآصال .
قوله : ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ﴾ أي : قلوب الكفار وأبصارهم . وتقلُّبُ القلوب أن القلوب انتزعت من أماكنها فغصّت بها الحناجر ، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج . وهو قوله : ﴿ إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ﴾ [ غافر : 18 ] . وأما تقلب الأبصار فقد قال في آية أخرى : ﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا ﴾ [ الأنبياء : 97 ] أي : لإجابة الداعي . وهو كقوله : ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ [ إبراهيم : 43 ] .
وقال الحسن في قوله : ﴿ تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ ﴾ أي : بالزَّرَقِ بعد الكَحَل ، والعمى بعد النظر .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٨
﴿ فى بيوتٍ أذنَ الله أن تُرفَع ويُذكر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغُدو والآصال رجالٌ ﴾ فى بيوت نعت لمشكاةٍ ، أو من باب الاشتغال ، والاشتغال أبداً من باب التوكيد ، أى يسبح فى بيوت ، والشاغل ها من قوله : ﴿ فيها ﴾ كقولك : فى الدار جلست فيها ، وبزيد مررت به ، وذلك من تأكيد الحدث ، وإن أريد تأكيد غيره جعلنا فى بيوت متعلقاً بيسبح المذكور ، وفيها توكيداً لقوله : ﴿ فى بيوت ﴾ وفى المثال تعلق بزيد بمررت المذكور ، ونجعل به تأكيداً لزيد ، ولا يعترض بأن الضمير ضعيف لا يؤكد الأقوى ، لأنا نقول باب التوكيد أوسع ، يصدق بذكر أدنى شىء ، يستغنى عنه ، بل التوكيد والمؤكد الجار والمجرور لا المجرور وحده ، ولا نتوهم أن الحرف ومجروره بدل من الحرف ومجروره ، بل تأكيد ، كقولك : فى الدار فى الدار ، وبزيد بزيد ، لأن الضمير بمنزلة مرجعه ، ولا تقلد ما يخالف ذلك ، ويبعد تعليقه بيوقد . بذكر أدنى شىء ، يستغنى عنه ، بل التوكيد والمؤكد الجار والمجرور لا المجرور وحده ، ولا تتوهم أن الحرف ومجروره بدل من الحرف ومجروره ، بل تأكيد ، كقولك : فى الدار فى الدار ، وبزيد بزيد ، لأن الضمير بمنزلة مرجعه ، ولا تقلد ما يخالق ذلك ويبعد تعليقه بيوقد .
والمراد ببيوت بيوت مخصوصة ، وهى المساجد الاسلامية فى الأمم السالفة ، وهذه الأمة ومقابلها مساجد الكفر وبيوت السكنى ونحوها ، لا خصوص موضع السجود ، من القدس والمسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد قباء ، ومعنى ﴿ أذن الله ان ترفع ﴾ امر بتعظيمها كصيانتها من دخول الجنب والحائض ، والنفساء والأقلف ، والسكران بمحرم ، وعن مسهم إياها ، ولو من خارج ، واستنادهم عليها من خارج ، ودخول الصبيان والمجانين ، وإدخال الميت ، قال صلى الله عليه وسلم : « جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ، وشراءكم وبيعكم ، وخصوماتكم ورفع أصواتك ، وإقامة حدودكم ، وسل سيوفكم ، واتخذوا على أبوابها المطاهر ، وجمروها فى الجمع » .
وقيل : رفعها بناءها كقوله تعالى : ﴿ بناها * رفع سُمكها فسواها ﴾ وقال عز وجل : ﴿ وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت ﴾ ولا يسرف فى تزيين المسجد بالنقش ، وليس ذلك من رفعه المأمور به ، ومن الاسراف نقش جامع قرطبة بالذهب مكتوباً به القرآن كله فى سواريه ، وهى نحو تسعمائة سارية من الرخام الفائق ، وإنفاق الوليد عن عبد الملك فى عمارة جامع دمشق مثل خراج الشام ثلاث مرات ، وروى أن سليمان بالغ فى تزيين بيت المقدس وعمارته ، وأقام فى عمارته كذا وكذا ألف رجل سبع سنين ، ووضع آجره من الكبريت الأحمر على رأس قبة الصخرة ، تعزل النساء فى ضوءها ليلا على اثنى عشر ميلا ، وفعل النبى ليس إسرافاً ، وليس إسرافاً بناء عثمان مسجد النبى صلى الله عليه وسلم بالساج ، وكذا بالغ عمر بن عبد العزيز فى تزيينه ونقشه ، ولم ينههما أحد .
وعنه صلى الله عليه وسلم : « ما ساء قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم » وعن ابن عباس : أمرنا أن نبنى المساجد جماء ، وجاءت الأنصار بمال فقالوا : يا رسول الله زين به مسجدك ، فقال صلى الله عليه وسلم : « إن الزينة والتصاوير للكنائس والبيع بيضوا مساجد الله تعالى » ومن شأن المسجد أن يعمر صفة الأول حتى يفرغ ، ثم الثانى وهكذا ، وإذا دخل رجل قصد يمين المحراب من الصف الأول ، والثانى يساره ، والثالث مقابله ، والرابع حيث شاء ، ولا يجزى عمارة فى موضع من غير الأول ، وجاء آخر قصد اليمين من الأول ، لأن المعتبر فى التقديم هو الأول ، حتى يتم فى صلاة الصف ، وإن كانت فيه محاريب اعتبر الذى يصلى فيه الامام فى الحال .
وقال صلى الله عليه وسلم : « من رأيتموه ينشد شعراً فى المسجد فقولوا له فض الله تعالى فاك ثلاث مرات ، ومن رأيتموه ينشد ضالة فى المسجد فقولوا لا وجدتها ثلاث مرات » ويستثنى شعر العلم والحكمة ، والوعظ والمدح النبوى ، قال صلى الله عليه وسلم : « إذا وجد أحدكم القملة فى المسجد فليصرها فى ثوبه حتى يخرجها » ويمنع من دخول ذى البصل والثوم والكراث والبخر والصنان فى المساجد ، واتخاذها طريقاً ، والمكث فيها ، أو المرور بلا ركعتين ، ومن تعظيمها تقديم اليمنى دخولا ، واليسرى خروجاً .
قال بعض الصحابة ، إذا طلع شىء من الصدر أو نزل من الرأس ، ولم يبزقه فى الأرض ، ولا فى ثوبه ، بل بلعه احتراماً للمسجد أدخل الله فى جوفه الشفاء ، وأخرج منه الداء ، وهل له البصاق فى الصلاة فى أرض المسجد يساراً وتحت قدمه؟ قيل نعم ، ويصلح ذلك بعد السلام ، وقيل لا إلا فى ثوبه ، وعن أبى هريرة مرفوعاً : إن لم يجد موضعاً فى المسجد فليبصق فى ثوبه وليحكه ، والغدو مصدر بمعنى الزمان ، والآصال جمع أصل بمعنى أصيل كعنق وأعناق ، أو جمع أصيل كشرف وأشراف ، على خلاف القياس ، والغدو من أول النهار الى الزوال ، والأصل من الزوال الى الصبح ، وعن ابن عباس : الغدو وقت الضحا ، وأن صلاة الضحا من هذه الآية ، وخص الرجال بالذكر ، لأنهم أحق بعمارة المساجد ، قال صلى الله عليه وسلم : « مساجد نسائكم قعر بيوتهن » .
﴿ لا تلهِيهم تجارة ﴾ معاوضة بأى وجه ﴿ ولا بيْعٌ ﴾ تخصيص بعد تعميم أو التجارة المعاوضة بالربح والبيع المعاوضة مطلقاً ، فهو تعميم بعد تخصيص ولا تعميم ، وفى الآية مدح لمن يجمع العبادة والكسب ، ويجوز أن يكون المعنى من لا يتجر ولا يبيع ، فضلاً عن أن يلهيهم ذلك كاهل الصفة ، والأول أولى ، لأنه ظاهر العبارة ، وأهله الفاعلون له أكثر ، وهو قول الحسن البصرى ، إذ قال : كانوا يتجرون ولا تلهيهم تجارة عن ذكر الله تعالى قلب : بل الآية تشملهما بمعنى أنها إما أن تكون ولا تشغلهم ، وإما أن لا تكون .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٢٨