یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِیَسۡتَءۡذِنكُمُ ٱلَّذِینَ مَلَكَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَبۡلُغُوا۟ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتࣲۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِینَ تَضَعُونَ ثِیَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِیرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَاۤءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتࣲ لَّكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ وَلَا عَلَیۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَیۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ٥٨
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
الجزء ١٨الربع ١٤٣ صفحة ٣٥٧
تفسيرها
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره ، ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ والصبيان الذين لم يبلغوا ، من الأحرار ، فعبر عن البلوغ بالاحتلام ، لأنه أقوى دلائله ، ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع ، وطرح ثياب النوم ، ولبس ثياب اليقظة ، ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم﴾ من اليقظة للقيلولة ، ﴿مِّنَ الظَّهِيرَةِ ، وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ لأنه وقت التجرد عن اللباس ، ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ أي: هذه الثلاث الأوقات ، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ،كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك التبين ، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٤٩
قوله : ﴿ يَآأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَئذِنْكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَراتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ وهو نصف النهار عند القائلة ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ العِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ ﴾ أي : حرج وهو الإِثم ﴿ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأيَاتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ وهن الساعات التي يخلو فيهن الرجل بأهله لحاجته منها .
فأما قوله : ﴿ لِيَسْتَأذِنكُمُ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فهم المملوكون : الرجال والنساء الذين يخدمون الرجل في بيته ، ومن كان من الأطفال المملوكين الذين لم يبلغوا الحلم .
قال : ﴿ وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ يعني الأطفال الذين يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً ، وكذلك من كان مثلهم من المملوكين ، إلا الصغار الذين لا يحسنون الوصف إذا رأوا شيئاً من الأحرار والمملوكين ، فلا ينبغي لهؤلاء الكبار والذين لا يحسنون الوصف أن يدخلوا في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن ، إلا أن لا يكون للرجل إلى أهله حاجة . ولا ينبغي له إذا كانت له إلى أهله حاجة أن يطأ أهله ومعه في البيت من هؤلاء أحد . فلذلك لا يدخلون في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن .
قال : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ ﴾ أي : حرج ﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي : بعد هذه الثلاث ساعات ، أن يدخلوا بغير إذن . ﴿ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم ﴾ أي : يدخلون بغير إذن ، ﴿ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الأَيَاتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ .
ذكروا عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : دخلت على ابن عباس فأراني وصيفة له خماسية فقال : ما تدخل عليّ هذه في هذه الثلاث ساعات إلا بإذن .
ذكروا عن الحسن عن رجل قال له : إنا قوم تجار ، نسافر هذه الأسفار ، وتكون مع أحدنا الجواري ، ويكون معه خباء ، وهن معه في الخباء ، فهل يطأ واحدة منهن وهن معه في الخباء فغضب ، وقال : لا .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٤٩
﴿ يا أيُّها الذين آمنوا ﴾ الرجال والنساء تغليباً كغالب القرآن ، ولا ينصت الى دعوى ان الخطاب لهم ، وأنهن ملحقات بالقياس ، ولو كان سبب النزول امرأة ، إذ لا يجب التعرض لمن هو سببه ، ولا سيما أنه قيل أيضاً سببه الرجل ، ولعلهما معاً السبب ، روى أن اسماء بنت أبى مرثد بمعجمة مثلثة أو بشين معجمة ، دخل عليها غلام كبير لها فى وقت كرهت ، فقالت : يا رسول الله يدخل علينا غلماننا وخدمنا وقت نكرهه ، وروى أنه صلى الله عليه وسلم بعث فى الظهيرة غلاماً من الأنصار اسمه مدلج ، الى عمر رضى الله عنه فدق الباب ودخل عليه ، واستيقظ وقد انكشف منه مالا يحب أن يرى ، فقال لو نهى الله تعالى آبائنا وخدمنا ، فذهب مع الغلام اليه صلى الله عليه وسلم ، وجدها نزلت .
وعن السدى : كانوا يطئون نساءهم فى هذه الساعات ، فيغتسلون فيخرجن الى الصلاة ، فنزلت الآية ناهية عن دخول هؤلاء فيهن إلا بإذن ، فقد يقال : نزلت فى ذلك كله خطاباً لهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ﴿ ليستئذنكم الذين مَلَكت أيمانكمْ والَّذين لم يبلغوا الخُلُم منْكم ﴾ وجواباً على الصحيح أطفالا أو بلغاً ، ذكوراً أو إناثاً ، ولا بأس بخطاب الطفل ، ولو على الوجوب ، إلا أنه لاعقاب عليه إن خالف ، وفى المراهق قولان ، ويقال : الخطاب للمالكين فى المعنى ، كأنه قيل : لا تتركوهم أن يدخلوا بلا إذن ولا حاجة الى هذا ، والأمر للغائب .
وفى الحديث : « مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر » وأمره إياهم بأمر الأطفال بالصلاة أمر منه تعالى ، وإذا خرجت النطفة من ذكر أو أنثى أو حاضت أو حبلت أو تكعب لها ولو ثدى واحد فبلوغ ، والحق أن ثلاث شعرات سود غلاظ فى إبط أو عورة من ذكر أو أنثى بلوغ ، كما قال عثمان وجرت عليه الصحابة أن الانبات بلوغ ، وكما جاء عن عطية القرظى ، ولو كان معروف إذ جاء عن غيره أيضاً أنه استحيا صلى الله عليه وسلم من لم ينبتوا ، وأنا منهم وقتل من أنبت ، وذلك فى حرب قريظة ، واختلاف الروايات بلا بلا تناقض لا بأس به ، كما روى فى هذا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، ودعوى أنه أمر بقتل المنبت لقوته ، لا لأن الانبات بولع تكلف ، لأن من لم يبلغ غير مكلف فكيف يعاقب بالقتل ، ولا دليل على أن قتله دفع لضره عن المسلمين ، لا تكلف بلا دليل على خلافه .
وقد تبلغ الأنثى فى السنة السابعة ، وتحمل ، وقد تبلغ الأنثى أو الذكر فى التاسعة ، وإذا لم توجد علامة فالأنثى عشرة ، والذكر الأربع عشرة أو هى لها ، وهو لخمس عشرة ، أو هما لخمس عشرة ، ومشهور أبى حنيفة انها لسبع عشرة ، وأنه لثمانى عشرة ، لأن ابن عباس فسر رشد اليتيم بها ، ويرده أن ذلك فى تمكينه من ماله ، وليس منكم قيداً بالاسلام ، بأن يكونوا أولاد المسلمين ، بل المراد مقابله المماليك فى الآية .
﴿ ثلاث مراتٍ ﴾ ثلاث استئذانات فى كل وقت من الأوقات الثلاثة ، لأنهن مظنة انكشاف وخلوة ، فان لم يؤذن لهم فلا يدخلوا كما جاء على الاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم : « الاستئذان ثلاث » فهو معفول مطلق فقوله : ﴿ مِنْ قَبل صلاة الفجر ﴾ متعلق بيستأذن ، وقيل ثلاثة أوقات فهو ظرف ، وعليه الجمهور فمن قبل بدل ثلاث أو مرات ، أى وقتاً ثابتاً بالنصب أو بالجر قبل صلاة الفجر ، والجر على الابدال من مرات .
﴿ وحين تضعون ثيابَكُم ﴾ عن أبدانكم بالنصب على الظرفية عطفاً على من قبل ، لأن المعنى وقتاً من قبل ، أو على إبدال من قبل من مرات بمعنى أوقات ، فحين مجرور مبنى ، ولو أضيف لمضارع معرب كقوله تعالى : ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ الخ ﴿ من الظَّهيرةِ ﴾ حال من حين ، ومن للبيان وهو ، وقت انتصاف النهار ، وهو شدة الحر فى الجملة ، أو متعلق بتضع على أنه للتعليل ، فيقدر مضاف أى لأجل حر الظهيرة أو الظهيرة ، نفس الحر ، فلا تقدير ﴿ ومن بعْد صلاة العشاء ﴾ عطف على من قبل صلاة الفجر ، كما هو أشد مناسبة لقوله : ﴿ ثلاث عورات لكم ﴾ أو على من الظهيرة اذا جعلنا من للبيان ، وهذه فذلكة لما قبلها للتأكيد ، أى هن ثلاث عورات .
﴿ ليس عليْكُم ولا عَليْهم جناحٌ ﴾ ولوم وعتاب ، لأن الداخلين البلغ الذكور والاناث مماليك للمدخول عليهم كذلك ، والذين لم يبلغوا يدخلون على احد بلا إذن فى غير تلك الأوقات ، وأما المملوك والمملوكة البالغات ، فلا وجه لدخولها بلا إذن على غير مالكهما فى وقت ما إلا لضرورة ﴿ بعدهُنَّ ﴾ فى الأوقات المتخللة بين كل اثنين منهن ، ولو قيل قبلهن لكان المعنى كذلك ، واختار البعدية لأن المعروف ان يجد الشىء ، وينهى عما بعده ﴿ طَوّافُون ﴾ علة لليسية أى هم طوافون ، أو لأنهم طوافون عليكم ﴿ بعضكم ﴾ يطوف بعضكم ﴿ على بَعض ﴾ أى أنتم تدخلون عليهم أيضاً أو يقدر أنتم طوافون خطاباً للمماليك والسادة والأطفال ، ولا ضعف فيه ، فيكون بدلا من انتم أو من المستتر فى طوافون أو مبتدأ الطوافون .
﴿ وكذلك ﴾ كما بين الله لكم ما ذكر ﴿ يبيِّن ﴾ اعتاد البيان ﴿ الله لكم الآيات ﴾ قبل هذه البيان وبعده ﴿ واللهُ عليمٌ ﴾ عظيم العلم بأحوالكم وغيرها ﴿ حكيمٌ ﴾ عظيم الحكمة فيما شرع لكم من المصالح ، وفى جميع أفعاله .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٤٩