تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النور

الجزء النور · صفحة ٠
[سورة النور — آية 58]

﴿ يا أيُّها الذين آمنوا ﴾ الرجال والنساء تغليباً كغالب القرآن ، ولا ينصت الى دعوى ان الخطاب لهم ، وأنهن ملحقات بالقياس ، ولو كان سبب النزول امرأة ، إذ لا يجب التعرض لمن هو سببه ، ولا سيما أنه قيل أيضاً سببه الرجل ، ولعلهما معاً السبب ، روى أن اسماء بنت أبى مرثد بمعجمة مثلثة أو بشين معجمة ، دخل عليها غلام كبير لها فى وقت كرهت ، فقالت : يا رسول الله يدخل علينا غلماننا وخدمنا وقت نكرهه ، وروى أنه صلى الله عليه وسلم بعث فى الظهيرة غلاماً من الأنصار اسمه مدلج ، الى عمر رضى الله عنه فدق الباب ودخل عليه ، واستيقظ وقد انكشف منه مالا يحب أن يرى ، فقال لو نهى الله تعالى آبائنا وخدمنا ، فذهب مع الغلام اليه صلى الله عليه وسلم ، وجدها نزلت .

وعن السدى : كانوا يطئون نساءهم فى هذه الساعات ، فيغتسلون فيخرجن الى الصلاة ، فنزلت الآية ناهية عن دخول هؤلاء فيهن إلا بإذن ، فقد يقال : نزلت فى ذلك كله خطاباً لهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ﴿ ليستئذنكم الذين مَلَكت أيمانكمْ والَّذين لم يبلغوا الخُلُم منْكم ﴾ وجواباً على الصحيح أطفالا أو بلغاً ، ذكوراً أو إناثاً ، ولا بأس بخطاب الطفل ، ولو على الوجوب ، إلا أنه لاعقاب عليه إن خالف ، وفى المراهق قولان ، ويقال : الخطاب للمالكين فى المعنى ، كأنه قيل : لا تتركوهم أن يدخلوا بلا إذن ولا حاجة الى هذا ، والأمر للغائب .

وفى الحديث : « مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر » وأمره إياهم بأمر الأطفال بالصلاة أمر منه تعالى ، وإذا خرجت النطفة من ذكر أو أنثى أو حاضت أو حبلت أو تكعب لها ولو ثدى واحد فبلوغ ، والحق أن ثلاث شعرات سود غلاظ فى إبط أو عورة من ذكر أو أنثى بلوغ ، كما قال عثمان وجرت عليه الصحابة أن الانبات بلوغ ، وكما جاء عن عطية القرظى ، ولو كان معروف إذ جاء عن غيره أيضاً أنه استحيا صلى الله عليه وسلم من لم ينبتوا ، وأنا منهم وقتل من أنبت ، وذلك فى حرب قريظة ، واختلاف الروايات بلا بلا تناقض لا بأس به ، كما روى فى هذا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من جرت عليه الموسى ، ودعوى أنه أمر بقتل المنبت لقوته ، لا لأن الانبات بولع تكلف ، لأن من لم يبلغ غير مكلف فكيف يعاقب بالقتل ، ولا دليل على أن قتله دفع لضره عن المسلمين ، لا تكلف بلا دليل على خلافه .

وقد تبلغ الأنثى فى السنة السابعة ، وتحمل ، وقد تبلغ الأنثى أو الذكر فى التاسعة ، وإذا لم توجد علامة فالأنثى عشرة ، والذكر الأربع عشرة أو هى لها ، وهو لخمس عشرة ، أو هما لخمس عشرة ، ومشهور أبى حنيفة انها لسبع عشرة ، وأنه لثمانى عشرة ، لأن ابن عباس فسر رشد اليتيم بها ، ويرده أن ذلك فى تمكينه من ماله ، وليس منكم قيداً بالاسلام ، بأن يكونوا أولاد المسلمين ، بل المراد مقابله المماليك فى الآية .

﴿ ثلاث مراتٍ ﴾ ثلاث استئذانات فى كل وقت من الأوقات الثلاثة ، لأنهن مظنة انكشاف وخلوة ، فان لم يؤذن لهم فلا يدخلوا كما جاء على الاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم : « الاستئذان ثلاث » فهو معفول مطلق فقوله : ﴿ مِنْ قَبل صلاة الفجر ﴾ متعلق بيستأذن ، وقيل ثلاثة أوقات فهو ظرف ، وعليه الجمهور فمن قبل بدل ثلاث أو مرات ، أى وقتاً ثابتاً بالنصب أو بالجر قبل صلاة الفجر ، والجر على الابدال من مرات .

﴿ وحين تضعون ثيابَكُم ﴾ عن أبدانكم بالنصب على الظرفية عطفاً على من قبل ، لأن المعنى وقتاً من قبل ، أو على إبدال من قبل من مرات بمعنى أوقات ، فحين مجرور مبنى ، ولو أضيف لمضارع معرب كقوله تعالى : ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ الخ ﴿ من الظَّهيرةِ ﴾ حال من حين ، ومن للبيان وهو ، وقت انتصاف النهار ، وهو شدة الحر فى الجملة ، أو متعلق بتضع على أنه للتعليل ، فيقدر مضاف أى لأجل حر الظهيرة أو الظهيرة ، نفس الحر ، فلا تقدير ﴿ ومن بعْد صلاة العشاء ﴾ عطف على من قبل صلاة الفجر ، كما هو أشد مناسبة لقوله : ﴿ ثلاث عورات لكم ﴾ أو على من الظهيرة اذا جعلنا من للبيان ، وهذه فذلكة لما قبلها للتأكيد ، أى هن ثلاث عورات .

﴿ ليس عليْكُم ولا عَليْهم جناحٌ ﴾ ولوم وعتاب ، لأن الداخلين البلغ الذكور والاناث مماليك للمدخول عليهم كذلك ، والذين لم يبلغوا يدخلون على احد بلا إذن فى غير تلك الأوقات ، وأما المملوك والمملوكة البالغات ، فلا وجه لدخولها بلا إذن على غير مالكهما فى وقت ما إلا لضرورة ﴿ بعدهُنَّ ﴾ فى الأوقات المتخللة بين كل اثنين منهن ، ولو قيل قبلهن لكان المعنى كذلك ، واختار البعدية لأن المعروف ان يجد الشىء ، وينهى عما بعده ﴿ طَوّافُون ﴾ علة لليسية أى هم طوافون ، أو لأنهم طوافون عليكم ﴿ بعضكم ﴾ يطوف بعضكم ﴿ على بَعض ﴾ أى أنتم تدخلون عليهم أيضاً أو يقدر أنتم طوافون خطاباً للمماليك والسادة والأطفال ، ولا ضعف فيه ، فيكون بدلا من انتم أو من المستتر فى طوافون أو مبتدأ الطوافون .

﴿ وكذلك ﴾ كما بين الله لكم ما ذكر ﴿ يبيِّن ﴾ اعتاد البيان ﴿ الله لكم الآيات ﴾ قبل هذه البيان وبعده ﴿ واللهُ عليمٌ ﴾ عظيم العلم بأحوالكم وغيرها ﴿ حكيمٌ ﴾ عظيم الحكمة فيما شرع لكم من المصالح ، وفى جميع أفعاله .

٢٬٨٤٩ / ٦٬٢٣٦