[سورة النور — آية 45]
﴿ يُقلَّب الله اللَّيل والنَّهار ﴾ بالاتيان بأحدهما بعد الآخر ، والزيادة فى احدهما ، والنقص من الآخر ، والضوء فى النهار دائماً ، والظلمة فى الليل أحيانا ، والحر والبرد ، وظهور الكواكب فى أحدهما دون الآخر ﴿ إنَّ فى ذلك ﴾ المذكور من التقليب والازجاء وما بعده ، وإشارة البعد مع قرب المشار اليه لعلو مرتبة ما ذكر ، ولا بعد فى أول ما ذكر ، لأنه كشىء متصل ﴿ لعبرةً ﴾ تفكروا يتوصل به الى معرفة وجود الله تعالى ، وكمال قدرته ﴿ لأولى الأبصار ﴾ جمع بصر بمعنى بصيرة القلب ، وفيه مع الأبصار المتقدم الجناس ، كقوله تعالى : ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ مع قوله : ﴿ ما لبثوا غير ساعة ﴾ ولو فسرناه بأبصار الوجه لوضوح الدالالة ، لكان شبه الايطاء فى القول فى :
﴿ والله خلق كلَّ دابَّةٍ ﴾ كل حيوان ينتقل الانس والجن والملائكة ، والطير والسمك والأنعام ، والوحش والبغال والحمير ، والخيل والفيل والخشخاش ، وسائر ما فيه الروح ، ألا ترى أن السمك لا يمشى على الأرض ، بل يسبح فى الماء ، والطير إذا نزلت مشت فى الأرض ﴿ مِنْ ماءٍ ﴾ خلق الله جوهرة ، وخلق فيها تمييزاً ، فذابت ماء من خشية الله ، وخلق من ذلك الماء النار والهواء والنور ، وخلق الملائكة من هذا النور ، وقيل من الريح والجن من النار ، وآدم من طين مشتمل على ماء ، قال الله تعالى : ﴿ وخلقنا من الماء كل شىء حى ﴾ وعيسى خلق من جزء من أمه ، كما حلق حواء من آدم ، وذلك ذكر خلق من أنثى ، وأنثى خلق من ذكر ، وهى أعنى مريم ممن خلق من ماء ، والله نفخ فى ذلك الجزء الروح .
﴿ فمنهم ﴾ من الدواب ، وقوله : ﴿ هم ﴾ تغليب للعقلاء ﴿ مَنْ يمشى ﴾ ينتقل مجاز لعلاقة الاطلاق والتقييد ، أو استعارة للفظ المشى للانتقال ، ولا مانع من أن يقال المشى حقيقة فى الانتقال فى الأرض مثلا ، وفيه استعمال من لغير العاقل ، وذلك تغليب لجانب العاقل المذكور مع غيره بعد ﴿ على بَطنِهِ ﴾ كالحيات والسمك ، ﴿ ومنهم من يمْشى على رجلين ﴾ كالانسان والطائر ، وفى الجن أصناف منها ذو رجلين يطير ومنها ما لا يطير ، وغير ذلك ، وكذا فى الملائكة أصناف ، وفى قوله : ﴿ هم ﴾ وقوله : « من » تغليب للعاقل .
﴿ ومنْهُم من يمشى على أربِعٍ ﴾ كالأنعام والحمير والبغال ، والخيل والوحش ، ولم يذكر ما يدب على رجل واحدة ، وهو يشبه الانسان ، وما يدب على اكثر من أربع كالعناكب ، وأم الأربع والأربعين ، لأن ذلك شاذ ، ولأنه ليس فى الكلام حصر ولقوله : ﴿ يخْلق اللهُ ما يشاء ﴾ من الأجسام والأعراض والأشكال والطبائع والقوى ، وفى قوله : « من » تغليب لجانب العاقل فيما قيل للمناسبة ، ولا دليل لمن قال ما يمشى على أكثر من أربع متعمدة على أربع ، فألغى الزايد ثم ظهر أن التغليب فى قوله : ﴿ فمنهم ﴾ فقط ، والبافى جار عليه . ﴿ إن اللهَ على كلِّ شىء ﴾ من الممكنات ﴿ قَديرْ ﴾ وأما غير الممكن ما يناقض صفات الألوهية فمستحيل بالذات ، لتحقق الألوهية ، وإلا ناقضها ، وما لا يناقض فلجعل الله عز وجل له مستحيلا ، فلا يتصور أن يكون غير مستحيل .