[سورة النور — آية 2]
قوله : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلُدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائةَ جَلْدَةٍ ﴾ وهذا في الأحرار إذا لم يكونا محصنين . فإن كانا محصنين رُجِما ، وأما المملوكان فيجلدان خمسين خمسين إذا أحصنا ، وليس عليهما رجم .
ولا يقام حدّ الزنا على أحد حتى يشهد عليه أربعة أحرار عدول يأتون جميعاً غير متفرقين . حراً كان الزاني أو مملوكاً . فإن شهد أربعة على امرأة ، أحدهم زوجها ، ففي ذلك اختلاف؛ فبعضهم يقول : الزوج أجوزهم شهادة ، إذا جاءوا معاً رجمت بشهادتهم ، وبعضهم يقول : لا ترجم ، ويلاعنها زوجها ، ويجلد الثلاثة ثمانين ثمانين جلدة .
فأما الرجل الزاني فتوضع عنه ثيابه إذا جلد ، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يصل إليها الجلد .
وإن أقر الرجل على نفسه بالزنا وكان حراً أقيم عليه الحد . والجلد في الزنا بالسوط .
قال بعضهم : بلغنا أن رجلاً أقرّ عند رسول الله بالزنا فدعا بسوط ، فأتي بسوط مكسور فقال : فوق هذا ، فأتى بسوط [ جديد ] لم تقطع ثمرته فقال : دون هذا . فأتي بسوط قد رُكِبَ به ولان ، فأمر به ، فجلد جلداً بين الجلدين . وكان بعضهم يقول : الحد في الزنا [ المتح ] الشديد .
وقال : ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله ﴾ أي : الجلد الشديد . [ سعيد عن الحسن وعطاء قالا : أي : حتى لا تعطل الحدود ] .
ذكر عكرمة عن ابن عباس قال : لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة .
قال بعضهم : وأما الرجم فهو في مصحف أبي بن كعب . وهو في مصحفنا أيضاً في سورة المائدة في قوله : ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىًَ وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيونَ الذِينَ أَسْلَمُوا لِلذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ ﴾ [ المائدة : 44 ] حيث رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين حين ارتفعوا إليه .
ذكروا عن [ زرّ بن حبيش قال : قال لي ] أبيّ بن كعب : كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قلت : ثلاثاً وسبعين آية . قال : قط؟ قلت : قط . قال : فوالله لتوازي سورة البقرة ، وإن فيها لآية الرجم . قلت : وما آية الرجم ، يا أبا المنذر؟ قال : إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله و الله عزيز حكيم . وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير واحد .
قال بعضهم : كان عمر يقول : نزل الرجم في كتاب الله ، ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي .
وكان علي يقول : إذا قامت البينة رجمت البيّنة . ثم الإِمام ثم الناس . فإذا أقر عند الإمام إقراراً من غير أن يقوم عليه بينة رجم الإِمام ثم الناس .
قال بعضهم : لا تحصن الأمَةُ ولا اليهوديةّ ولا النصرانيةّ ، ولا يحصن المملوكُ الحرةَ . ولا يُحصَن الحر إذا كانت له امرأة لم يدخلُ بها . ولا تُحصَن المرأة إذا كان لها زوج لم يدخُل بها .
وإذا أحصن الرجل أو المرأة بوطء مرة واحدة ، ثم زنى بعد ذلك و ليس له امرأة يوم زنى ، أو زنت امرأة ليس لها زوج يوم زنت فهما محصنان يرجمان . وهو قول جابر ابن زيد .
وإذا زنى أحد الزوجين وقد أُحصِن أحدهما ولم يُحصن الآخر رُجِم الذي أُحصِن منهما وحُدَّ الذي لم يُحصَن مائة جلدة .
ولا تُحصِن أمُّ الولد وإن ولدت له أولاداً .
فإذا زنى الغلام أو الجارية وقد تزوّجا . ودخل الغلام بامرأته ، ودخل على الجارية زوجُها ، ولم يكن الغلام احتلم ، ولم تكن الجارية حاضت فلا حدّ عليهما؛ لا رجم ولا جلد حتى يحتلم وتحيض ، ويغشى امرأتَه بعدما احتلم ، ويغشى الجاريةَ زوجُها بعدما حاضت ، فحينئذ يكونان محصنين .
وإذا كانت لرجل أم ولد قد ولدت منه فأعتقها فتزوّجها . ثم زنى قبل أن يغشاها بعدما أعتقت فلا رجم عليه ، ولا هي إن زنت حتى يغشاها بعد ما أعتقت ، وإن كان مملوك تحته حرّة قد دخل بها فعتق فزنى قبل أن يغشاها بعدما أعتق فلا رجم عليه .
وإن كان الزوجان يهوديين أو نصرانيين فأسلما جميعاً ، ثم زنى أحدهما أيهما كان قبل أن يغشاها بعدما أسلما فلا رجم عليه حتى يغشاها في الإِسلام . وإنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأنهم تحاكموا إليه .
وإحصان أهل الشرك في شركهم ليس بإحصان حتى يغشى في الإِسلام .
قوله : ﴿ وَلاَ تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ أي : رحمة ﴿ فِي دينِ الله ﴾ أي : في حكم الله ﴿ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ أي : إن كنتم تصدّقون ﴿ بِالله وَاليَوْمِ الآخرِ ﴾ أي : تصدّقون باليوم الآخر الذي فيه جزاء الأعمال . فلا توافوا بالزانية والزاني اللذين نزع الله منهما الرأفة ، أي : فلا ترجموهما .
وفي هذا دليل على أنهما ليسا بمؤمنين إذ نزع الله الرأفة التي جعل للمؤمنين منها [ نصيباً ] قال الله : ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [ الأحزاب : 43 ] ووصف نبيّه فقال : ﴿ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ التوبة : 128 ] . فلو كانا مؤمنين لم ينزع الرأفة التي جعلها للمؤمنين .
قوله : ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أي : ليشهد جلدهما طائفة من المؤمنين . قال بعضهم : الطائفة رجل فصاعداً . وقال بعضهم : الطائفة من ثلاثة فصاعداً .
وهذه الآية تشدُّ الأولى ، إذ أمر الله المؤمنين أن يحضروا عذاب الزاني ، أي : جلده ، وهم غير الزاني . فيجوز أن يحضر عذابهما طائفة من الزناة ، تحضر الزناة عذاب الزناة .
ففي هاتين الآيتين دليل لكلّ ذي حجى أو لجى أن الزاني ليس بمؤمن .
وفيها ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أنه قال : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن . ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يقتل النفس التي حرَّم الله وهو مؤمن . فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإِسلام من عنقه » .