سورة الفرقان · الآية ٢٠ من ٧٧

‹ السورة السابقة
وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ إِلَّاۤ إِنَّهُمۡ لَیَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشُونَ فِی ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضࣲ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِیرࣰا٢٠
الرسم الإملائيّ

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا

الجزء ١٨الربع ١٤٤ صفحة ٣٦١

تفسيرها

[سورة الفرقان — آية 20]

﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ لأن ليس أكل الطعام والمشي في الأسواق مما يبطل الرسالة ، ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ابتلاء ، ﴿ أَتَصْبِرُونَ﴾؟ علة للجعل ، والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة لنعلم أيكم يصبر ، ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بالصابرين والجازعين ، وهو في صورة الوعد والوعيد.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٥

[سورة الفرقان — آية 20]

قوله : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إِلآ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ [ أي : إلا إنهم كانوا يأكلون الطعام ] ، كقوله : ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ [ الأنبياء : 8 ] أي : ولكن جعلناهم جسداً يأكلون الطعام . قال : ﴿ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ ﴾ فهذا جواب للمشركين حيث قالوا : ﴿ مَالِ هذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ﴾ .

قوله : ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ويل للمالك من المملوك ، وويل للمملوك من المالك ، وويل للغني من الفقير ، وويل للفقير من الغني ، وويل للعالم من الجاهل ، وويل للجاهل من العالم ، وويل للشديد من الضعيف ، وويل للضعيف من الشديد » .

قال الحسن : ويل لهذا المالك إذ رزقه الله هذا المملوك ، كيف لم يحسن إليه ويصبر ، وويل لهذا المملوك الذي ابتلاه الله فجعله لهذا المالك كيف لم يصبر ويحسن . وويل لهذا الغني الذي رزقه الله ما لم يكرّم هذا الفقير ، كيف لم يحسن ولم يصبر ، وويل لهذا الفقير الذي ابتلاه الله بالفقر ولم يعطه ما أعطى هذا الغني ، كيف لم يصبر . وبقية الحديث على هذا النحو .

ذكروا عن أبي الدرداء قال : ويل لمن لا يعلم مرة ، وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات .

وقال بعضهم : ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ يعني الأنبياء وقومهم . قال : ﴿ وَكَانَ رَبُّك بَصِيراً ﴾ .

ذكروا عن الحسن قال : لما عرض على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال : يا رب ، ألا سوّيت بينهم . قال : يا آدم إني أحبّ أن أُشكَر ليرى ذو الفضل فضلَه فيحمدني ويشكرني .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٥

[سورة الفرقان — آية 20]

﴿ وما أرسلنا قبلك من المُرسلين ﴾ نعت لمفعول أرسلنا محذوفاً أى أحداً من المرسلين ، فالجمع بعد لعموم أحد بتقديم النفى ، ومن أجاز زيادة من مع المعرفة أجاز أن تكون من صلة ، والمرسلين مفعولاً به ﴿ إلا أنَّهم ليأكلون الطعامَ ويمشون فى الأسواق ﴾ الجملة حال من أحد المقدر ولو نكرة ، لتقدم النفى او من المرسلين على أنه المفعول به كقولك : جاء زيد سيفه على عاتقه ، وما جاء زيد إلا هو فرج ، ولا تلزم الواو فى جملة الحال الاسمية ، كما قيل : وهى وتركها سواء ، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ، واحتاج بأنه كالرسل قبله فى الأكل ، ودخول الأسواق ، وسلاه أيضاً بقوله : ﴿ وجَعَلنا بعْضكم لبعض فتنةً أتصبرون ﴾ فاصبر على قولهم ، لولا انزل اليه ملك أو يلقى الخ ، وقولهم مال هذا الرسل الخ ، والمراد أتصبرون على قول السوء كما قالوا لك ، ويصبر فقيركم على فخر غنيكم ، وعلى منع عطائه وسلاه أيضاً بقوله :

﴿ وكان ربُّك بَصيراً ﴾ بأقوالهم وأفعالهم واعتقادهم ، فيعاقبهم ، وبالصواب فيما يأمركم وينهاكم ، فلا تخالفوه ، والخطاب فى بعضكم وتصبرون للنبى صلى الله عليه وسلم وأمته ، وإنما لم تعم الأمم السالفر أيضاً لبعد ان يخاطبوا فى هذا الكتاب ، وقد انقرضوا ، والرسول فتنة لكفار قريش إذ قالوا : كيف يعلو محمد علينا ، ومن أسلم من الفقراء ، ومن يعد ضعيفاً فتنة للأقوياء والأغنياء ، كما قال أبو جهل ، والوليد بن الغيرة ، والعاصى بن وائل من بنى سهم ، والوليد بن عقبة ونحوهم : لو أسلمنا ترفع علينا عمار وصهيب وبلال وابن مسعود عامر بن فهيرة لتقدم اسلامهم .

وقد قيل : الآية فى ذلك ، والصحيح فتنة للمريض والغنى للفقير والعالم للجاهل ، والشريف للوضيع ، وصح عكس ذلك كقصة نحو عمار مع أبى جهل ، ومن ذلك إمهال الكفار فتنة للمؤمنين ، قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا نظرا أحدكم الى من فضل عليه بالمال والجسم ، فلينظر الى من هو دونه فى المال والجسم » رواه ابخارى وفى مسلم انظروا الى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا الى من هو فوقكم ، فهو أجدر ان تزدروا نعمة الله عليكم ، قال بعض : أى وجعلناك فتنة لهم ، لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان ، لكانت طاعتهم لك للدنيا ، أو ممزوجة بالدنيا ، فانما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطعك خالصة لنا ، وجملة أتصبرون مفعول المحذوف ، أى قائلين أتصبرون أم لا ، أو لنعلم أتصبرون أى ليظهر خارجاً صبركم أو عدمه أو مستأنفة بمعنى الأمر ، أى اصبروا .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٥