سورة النمل · الآية ٨٢ من ٩٣

‹ السورة السابقة
وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَیۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَاۤبَّةࣰ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُوا۟ بِءَایَٰتِنَا لَا یُوقِنُونَ٨٢
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ

الجزء ٢٠الربع ١٥٤ صفحة ٣٨٤

تفسيرها

[سورة النمل — آية 82]

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ إذا دنا وقوع معناه ، وهو ما وعدوا به من البعث أو العذاب ، (لعله) وقيل: وجوب العذاب عليهم ، وقيل: إذا غضب الله عليهم ، ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ وهي التي لا يفوتها هارب ، ولا يدركها طالب ، ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ ببطلان الأديان ، إلا دين الإسلام فيما قيل ، ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٤١

[سورة النمل — آية 82]

قوله : ﴿ وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمُ ﴾ أي : حق القول عليهم ، والقول : الغضب . ﴿ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ﴾ [ وفي بعض القراءة : تُحدِّثهم ] ﴿ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ .

ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول : إنها دابة ذات زغب وريش لها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة .

ذكروا عن ابن عمرو أنه قال : تخرج الدابة من مكة من صخرة بشعب أجياد . قال : فإذا خرجت الدابة فزع الناس إلى الصلاة؛ فتأتي الرجل وهو يصلي فتقول له : طوِّل ما أنت مُطوِّل ، فوالله لأَخطِمَنَّكَ . قال : فيومئذ يعرف المنافق من المؤمن . قال عبد الله بن عمرو : لو أشاء أن أضع قدمي على مكانها الذي تخرج منه لفعلت .

ذكر الحسن أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة ، دابة الأرض ، فخرجت إليه ثلاثة أيام ولياليها لا يرى أطرافها ، أو لا يرى واحداً من طرفيها ، فرأى منظراً كريهاً ، فقال : ربِّ ، رُدَّها فرجعت .

ذكروا عن أبي الطفيل قال : كنا جلوساً عند حذيفة فذكروا الدابة فقال حذيفة : إنها تخرج ثلاث خَرْجات : مرّة في بطن الوادي ، ثم تكمن . ثم تخرج في بعض القرى حتى تذكر ، ويهريق فيها الأمراء الدماء . فبينما الناس على أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها ، يعني المسجد الحرام ، إذ ترفع الأرض ويهرب الناس ، وتبقى عصابة من المؤمنين يقولون : لن ينجينا من أمر الله شيء ، فتخرج فتجلو وجه المؤمن ، وتخطم وجه الكافر ، لا يدركها طالب ، ولا ينجو منها هارب . قالوا : وما الناس يومئذ يا حذيفة؟ قال : جيران في الرِّبَاع ، شركاء في الأموال ، أصحاب في الأسفار .

ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال : يبيت الناس يسيرون إلى جمع وتبيت الدابة تسري إليهم فيصبحون قد جعلتهم بين رأسها وذنبها ، فما تمرّ بمؤمن إلا تمسحه ، ولا بكافر ولا منافق إلا تخطمه ، وإن التوبة اليوم لمفتوحة .

ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال : لا تقوم الساعة حتى يجتمع أهل البيت على الإِناء الواحد يعرفون مؤمنيهم من كافريهم . قال : تخرج دابة الأرض فتمسح كل إنسان على مسجَده؛ فأما المؤمن فتكون نكتة بيضاء فتفشو في وجهه حتى يبيضّ لها وجهه ، وأما الكافر فتكون نكتة سوداء حتى يسودّ وجهه؛ حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقول هذا : كيف تبيع هذا يا مؤمن ، ويقول هذا : كيف تأخذ هذا يا كافر . فما يرد بعضهم على بعض .

قوله : ﴿ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ ﴾ أي : المشركين ﴿ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ وبعضهم يقرأها : ﴿ تَكْلِمُهم ﴾ أي : تجرحهم . وبعضهم يقول : تَسِمُهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٤١

[سورة النمل — آية 82]

﴿ وإذا وقَعَ القَوْل عَلَيْهم ﴾ دنى وقوع القول عليهم ، فذلك مجاز مشارفة ، وهو استعارة لشبه القرب بالوقوع لجامع الاستحضار ، وانتقاء البعد ، او مجاز اللزوم ، او السببية ، والقول بمعنى القول ، وهو آية القرآن الدالة على العذاب المستعجل به أو يرد مضمون القول ، وهو آية ذكر ذلك بالقول ، ليكون تصديقا للقول ، وقال : ﴿ عليهم ﴾ لأنه صار لهم ﴿ أخْرجنا لَهُم ﴾ لام استحقاق كقوله تعالى : ﴿ وللكافرين عذابٌ ﴾ والضمير ان الكفار مطلقا او لكفار مكة .

﴿ دابَّةً ﴾ مخلوقة من قبل ، حتى قيل : إن موسى عليه السلام سأل الله عز وجل أن يريه إياها ، فطلعت من الأرض ثلاثة أيام الى السماء ، ولم تتم فقال : يا رب ارددها ، وقيل تخلق يوم تخرج ، والأدلة على الأول ، والتعبير بالخروج ظاهر فى ذلك أنها مضطرة ، فأظهرت ، وكيف قول ابن عباس ، إذ ضرب الصفا بعصاه محرما وقال : إنها تسمع قرع عصاى ، وما قيل إنها الثعبان الذى اختطفه العقاب حين أراد قريش بناء البيت ، فخرج ومنعهم ، والصحيح أن الدابة غيره ، وفيها من هذه الأمة التكلم بالعربية ، ومن كل أمة شىء ، ورأس ثور ، وعين خنزير ، وأذن قيل ، وقرن أيل ، وعنق نعامة ، وصدر أسد ، ولون نمر ، وخاصرة هرة ، وذنب كبش ، وقوائم بعير ، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً بذراع آدم ، وصوت حمار ، وزغب وريش وأرجل قوائم وجناحان ، وأنا أذكر هذه الأمور كارها ليتروح إليها السامع ، ولو لم أصدقها ، وهى دابة واحدة كما دل عليه الافراد فى الاثبات ، نكرت للتعظيم ، وقيل لكل أرض دابة ، وهو ساقط ، ومن أبعد ما قيل : إنها ترى من المغرب والمشرق ، مع انا لا نرى ما على المشرق من السماء ، ولا نرى الشمس والقمر والنجوم إذا غربت ، وقبل طلوعها ، مع أن السماء أعلى من الدابة .

﴿ من الأرض ﴾ أرض الصفا أو المسجد الحرام ، أو بدو مكة القريب منها أرض يابسة ، حولها وهل كما بينه صلى الله عليه وسلم ، أو فى اليمن ، او جبل جياد أيام التشريق ، والناس فى منى ، أو من مدينة قوم لوط ، أو من أقصى البادية ، أو تخرج فى أقصى اليمن ، ولا تشتهر ، ثم فى البادية ، ثم ناحية الركن الأسود ، وباب بنى مخزوم ، وتنفض التراب عن رأسها ، فيفر الناس إلا طائفة من المؤمنين مع عيسى عليه السلام ، يطوف وتجلو وجوههم كالكوكب الدرى ، وتكتب فيها مؤمن بخاتم سليمان ، وتتحرك القنادل ، وتنكت الكافر فى وجهه بعصا موصى ، وسود وتكتب فيه كافر ، ولا يلحقها طالب ، ولا يفوتها هارب ، وتقتل إبليس ، والصحيح انه يقتله عزرائيل بكئوس موت الأولين والآخرين .

وبعد موت عيسى والمهدى يرفع البيت ولا يدرى محله ، وينزع القرآن من القلوب والمصاحف والألواح ، وحيث كتب ، فيرجعون الى أمر الجاهلية ، ولا قائل لا إله إلا الله ، فأكثر الطواف والقراءة ، وادعوا الله عز وجل ينصر السلاطين العثمانية ، ويسددهم الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، يا حى يا قيوم ، يا ذا الجلال والاكرام .

﴿ تُكلِّمهم ﴾ تحدث المشركين المنكرين للبعث فى عصر جروجها ، أو المؤمنين والمنكرين ، وذلك نصرة للمؤمنين ، وهذه الجملة من الله ﴿ انَّ الناس ﴾ بيان الناس ، وهم هؤلاء المشركون المنكرون ، وصح ذلك لأن قوله : ﴿ أن الناس ﴾ من كلامها ، كما أن الجملة قبله من كلامها ، أو الناس منكروا البعث فى عصرها او غيره ، أو النس مشركو مكة على عهده صلى الله عليه وسلم ، شهدت بذلك ما لهم وتخطئة وتزكية له صلى الله عليه وسلم ، بحجة قوية ، وهو نطق الدابة ، وعلى كل حال الآية زجر منها للمنكرين الحاضرين لها ، أو تكْلَمهم تجرحهم جرحاً شديداً ، أى تذمهم كما يجرح الشاهد ، ويناسبه قراءة فتح التاء وإسكان الكاف ، فاللام مخففة .

﴿ كانُوا ﴾ ربما قوى هذا المضى أن المراد بالناس مشركو مكة على عهده صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يلزم ذلك لأنها خرجت ، والناس ماضون على الانكار ﴿ بآياتنا ﴾ تعنى الآيات الدالة على البعث ومبادئه ، أو الآيات مطلقاً ، وفى نفس الأمر شملت خروج الدابة ، ون لله لأن ذلك كلام منها عن الله عز وجل ، ولا يحتاج الى تقدير مضاف ، أى بآيات ربنا أونا للدابة لجريان ذلك بها فنسبت الآيات لنفسها كما ينسب الجندى لنفسه ما لللطن ، لأنه فى يده ، وعلى معنى الجرح تكون الباء سببية ﴿ لا يُوقِنُونَ ﴾ بل يكذبون ويشكون .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٢٤١