تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النمل

الجزء النمل · صفحة ٠
[سورة النمل — آية 82]

﴿ وإذا وقَعَ القَوْل عَلَيْهم ﴾ دنى وقوع القول عليهم ، فذلك مجاز مشارفة ، وهو استعارة لشبه القرب بالوقوع لجامع الاستحضار ، وانتقاء البعد ، او مجاز اللزوم ، او السببية ، والقول بمعنى القول ، وهو آية القرآن الدالة على العذاب المستعجل به أو يرد مضمون القول ، وهو آية ذكر ذلك بالقول ، ليكون تصديقا للقول ، وقال : ﴿ عليهم ﴾ لأنه صار لهم ﴿ أخْرجنا لَهُم ﴾ لام استحقاق كقوله تعالى : ﴿ وللكافرين عذابٌ ﴾ والضمير ان الكفار مطلقا او لكفار مكة .

﴿ دابَّةً ﴾ مخلوقة من قبل ، حتى قيل : إن موسى عليه السلام سأل الله عز وجل أن يريه إياها ، فطلعت من الأرض ثلاثة أيام الى السماء ، ولم تتم فقال : يا رب ارددها ، وقيل تخلق يوم تخرج ، والأدلة على الأول ، والتعبير بالخروج ظاهر فى ذلك أنها مضطرة ، فأظهرت ، وكيف قول ابن عباس ، إذ ضرب الصفا بعصاه محرما وقال : إنها تسمع قرع عصاى ، وما قيل إنها الثعبان الذى اختطفه العقاب حين أراد قريش بناء البيت ، فخرج ومنعهم ، والصحيح أن الدابة غيره ، وفيها من هذه الأمة التكلم بالعربية ، ومن كل أمة شىء ، ورأس ثور ، وعين خنزير ، وأذن قيل ، وقرن أيل ، وعنق نعامة ، وصدر أسد ، ولون نمر ، وخاصرة هرة ، وذنب كبش ، وقوائم بعير ، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً بذراع آدم ، وصوت حمار ، وزغب وريش وأرجل قوائم وجناحان ، وأنا أذكر هذه الأمور كارها ليتروح إليها السامع ، ولو لم أصدقها ، وهى دابة واحدة كما دل عليه الافراد فى الاثبات ، نكرت للتعظيم ، وقيل لكل أرض دابة ، وهو ساقط ، ومن أبعد ما قيل : إنها ترى من المغرب والمشرق ، مع انا لا نرى ما على المشرق من السماء ، ولا نرى الشمس والقمر والنجوم إذا غربت ، وقبل طلوعها ، مع أن السماء أعلى من الدابة .

﴿ من الأرض ﴾ أرض الصفا أو المسجد الحرام ، أو بدو مكة القريب منها أرض يابسة ، حولها وهل كما بينه صلى الله عليه وسلم ، أو فى اليمن ، او جبل جياد أيام التشريق ، والناس فى منى ، أو من مدينة قوم لوط ، أو من أقصى البادية ، أو تخرج فى أقصى اليمن ، ولا تشتهر ، ثم فى البادية ، ثم ناحية الركن الأسود ، وباب بنى مخزوم ، وتنفض التراب عن رأسها ، فيفر الناس إلا طائفة من المؤمنين مع عيسى عليه السلام ، يطوف وتجلو وجوههم كالكوكب الدرى ، وتكتب فيها مؤمن بخاتم سليمان ، وتتحرك القنادل ، وتنكت الكافر فى وجهه بعصا موصى ، وسود وتكتب فيه كافر ، ولا يلحقها طالب ، ولا يفوتها هارب ، وتقتل إبليس ، والصحيح انه يقتله عزرائيل بكئوس موت الأولين والآخرين .

وبعد موت عيسى والمهدى يرفع البيت ولا يدرى محله ، وينزع القرآن من القلوب والمصاحف والألواح ، وحيث كتب ، فيرجعون الى أمر الجاهلية ، ولا قائل لا إله إلا الله ، فأكثر الطواف والقراءة ، وادعوا الله عز وجل ينصر السلاطين العثمانية ، ويسددهم الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، يا حى يا قيوم ، يا ذا الجلال والاكرام .

﴿ تُكلِّمهم ﴾ تحدث المشركين المنكرين للبعث فى عصر جروجها ، أو المؤمنين والمنكرين ، وذلك نصرة للمؤمنين ، وهذه الجملة من الله ﴿ انَّ الناس ﴾ بيان الناس ، وهم هؤلاء المشركون المنكرون ، وصح ذلك لأن قوله : ﴿ أن الناس ﴾ من كلامها ، كما أن الجملة قبله من كلامها ، أو الناس منكروا البعث فى عصرها او غيره ، أو النس مشركو مكة على عهده صلى الله عليه وسلم ، شهدت بذلك ما لهم وتخطئة وتزكية له صلى الله عليه وسلم ، بحجة قوية ، وهو نطق الدابة ، وعلى كل حال الآية زجر منها للمنكرين الحاضرين لها ، أو تكْلَمهم تجرحهم جرحاً شديداً ، أى تذمهم كما يجرح الشاهد ، ويناسبه قراءة فتح التاء وإسكان الكاف ، فاللام مخففة .

﴿ كانُوا ﴾ ربما قوى هذا المضى أن المراد بالناس مشركو مكة على عهده صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يلزم ذلك لأنها خرجت ، والناس ماضون على الانكار ﴿ بآياتنا ﴾ تعنى الآيات الدالة على البعث ومبادئه ، أو الآيات مطلقاً ، وفى نفس الأمر شملت خروج الدابة ، ون لله لأن ذلك كلام منها عن الله عز وجل ، ولا يحتاج الى تقدير مضاف ، أى بآيات ربنا أونا للدابة لجريان ذلك بها فنسبت الآيات لنفسها كما ينسب الجندى لنفسه ما لللطن ، لأنه فى يده ، وعلى معنى الجرح تكون الباء سببية ﴿ لا يُوقِنُونَ ﴾ بل يكذبون ويشكون .

٣٬٢٤١ / ٦٬٢٣٦