سورة العنكبوت · الآية ٢٨ من ٦٩

‹ السورة السابقة
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦۤ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدࣲ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِینَ٢٨
الرسم الإملائيّ

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

الجزء ٢٠الربع ١٦٠ صفحة ٣٩٩

تفسيرها

[سورة العنكبوت — آية 28]

﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ استئناف مقرر لفاحشتها ، من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع ، وتحاشت عنه النفوس ، حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ وتعترضون للسابلة بالقتل ، وأخذ المال ، أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق ، أو تقطعون سبل النسل بالاعتراض عن الحرث ، وإتيان ما ليس بحرث ، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ في مجالسكم الغاصة ، ولا يقال: النادي ، إلا لما فيه أهله ، ﴿الْمُنكَرَ﴾ الجماع والضراط ، وحال الإزار ، وغير ذلك من القبائح عدم مبالاة بها ، وقيل: الحذف بالحصا ، والرمي بالبنادق ، والمنكر: اسم جامع لجنيع المعاصي ، ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في استقباح ذلك ، أو في دعوى النبوة المفهومة من التوبيخ . ﴿قَالَ: رَبِّ انصُرْنِي﴾ بإنزال العذاب ، ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بابتداع الفاحشة ، وسنها فيمن بعدهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٦٨

[سورة العنكبوت — آية 28]

قوله : ﴿ وَلُوطاً ﴾ أي : وأرسلنا لوطاً ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ ﴾ أي : المعصية ، وهي إتيان الرجال في أدبارهم . ﴿ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ ﴾ أي : من عالم أهل زمانهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٦٨

[سورة العنكبوت — آية 28]

﴿ ولُوطاً ﴾ عطف على ابراهيم او نوحاً ﴿ إذْ قال لقَوْمه ﴾ تقدم مثله ﴿ انكم لتاتون الفاحشة ﴾ الفعلة القبيحة جداً ﴿ ما سبقكم بها ﴾ على ظاهره او بمعنى فيها ﴿ من أحدٍ ﴾ فاعل ، ومن صلة لتأكيد العموم ﴿ من العالمين ﴾ يستقبحها كل احد ، والجملة حال من الفاحشة او من واو تأتون ، أى مبتدعة او مبتدعين ، وفسر اتيان الفاحشة مع التوبيخ بقوله :

﴿ أئنكم لتاتون الرَّجال ﴾ الذكور صغاراً وكباراً اسعمالاً للخاص في العام ﴿ وتقطعُون السَّبيل ﴾ سبيل الولادة ، لان الاتيان في الدبر لا يحمل ، ولو فى ادبار الاناث ، فكيف بادبار الرجال ، لان الدبر يوصل الى محل الطعام لا الى محل الحمل ، او تقطعون السبيل في الارض بأن لا يأتيكم الناس لكراهة ان تفعلوا بهم ، وقيل لا يأتيكم الناس لفبحكم بذلك ، او بالقتل واخذ المال ﴿ وتأتون فى نادِيكُم ﴾ في مجلسكم الممتلئ بالناس ﴿ المُنْكر ﴾ كاللواط فى محضرهم الغريب ، ولبعض مع بعض ، والضرط فيه ، وحل الازار ، ولا حياء لهم ، وعن ام هانئ بنت ابى طالب ، عنه صلى الله عليه وسلم : « يحذفون ابناء السبيل ويسخرون منهم » رواه احمد والترمذى والطبرانى والحاكم والبيهقى ، يرمون ابن السبيل بالحصى ، فمن اصابته حصاته جامعه واخذ ماله ، وقيل : يغرمه ثلاثة دراهم ويجامعه ، ويأخذ ما معه ايضاً ، وعن ابن عباس : الرمى بالحصى والبنادق ، وفرقعة الاصايع ، ومضغ العلك والسواك بين الناس ، وحل الازرار والسب والفحش بالمزاح ، والضرط والتصافع ، وعن مجاهد لعب الحمام وتطريف الاصابع بالحناء ، والصفير والحذف بالحصى ، ونبذ الحياء فى جميع امورهم ، ولم يات عن لوط انه دعاهم الى الاسلام لانهم من قوم ابراهيم ، وقد كفاه فى ذلك .

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمه الا ان قالوا ائتنا بعَذَاب الله إنْ كنْتَ من الصادقين ﴾ فى دعوى النبوة ، وفى تقبيح اللواط وتحريمه ، والعذاب عليه ، فانه يذكر لهم العذاب والتحريم ولو فى اول مجيئه اليهم للنهى ، ولا يتنافى هذا الحصر والذي فى قوله : « إلا أن قالوا اخرجوهم » والذى فى قوله : ﴿ إلا ان قالوا اخرجوا آل لوط ﴾ لان الحصر فيهن اضافى ، اى قالوا تلك الاقوال دون ان يذعنوا او يلينوا بشئ ، وهذا اولى من ان يقال : ما هنا عن كبارهم ، والآخران عن غير كبارهم ، أو بالعكس ، ومن ان يقال : جوابهم إذ نصحهم وغيره جوابهم فيما بينهم ، إذ تشاوروا ، وقد بلغوا هذا الجواب كما هو ظاهر الآية ، ومن ان يقال ما هنا اول الوعظ كذبوه وسخروا به ، والآخران انتقام منه إذ عاودهم ، ولا يبيح الله سبحانه وتعالى لواط الولدان في الجنة ، ولا ادبار النساء ، ولا يخطئ الله في قلوبهم ان يحبوا ذلك فيجابوا لقبحه عقلا وشرعا ، وابيحت خمر الجنة ، لانها لا تسكر ، بل قال ابن العربى لا ادبار لاهل الجنة ، لانها لخروج الفضلة والريح ، وليسا فيها ، واخطأ من اجاز ذلك من قومنا ، وأقول لعل لهم ادبار لكمال الخلقة لا لذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٦٨