تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة العنكبوت

الجزء العنكبوت · صفحة ٠
[سورة العنكبوت — آية 28]

﴿ ولُوطاً ﴾ عطف على ابراهيم او نوحاً ﴿ إذْ قال لقَوْمه ﴾ تقدم مثله ﴿ انكم لتاتون الفاحشة ﴾ الفعلة القبيحة جداً ﴿ ما سبقكم بها ﴾ على ظاهره او بمعنى فيها ﴿ من أحدٍ ﴾ فاعل ، ومن صلة لتأكيد العموم ﴿ من العالمين ﴾ يستقبحها كل احد ، والجملة حال من الفاحشة او من واو تأتون ، أى مبتدعة او مبتدعين ، وفسر اتيان الفاحشة مع التوبيخ بقوله :

﴿ أئنكم لتاتون الرَّجال ﴾ الذكور صغاراً وكباراً اسعمالاً للخاص في العام ﴿ وتقطعُون السَّبيل ﴾ سبيل الولادة ، لان الاتيان في الدبر لا يحمل ، ولو فى ادبار الاناث ، فكيف بادبار الرجال ، لان الدبر يوصل الى محل الطعام لا الى محل الحمل ، او تقطعون السبيل في الارض بأن لا يأتيكم الناس لكراهة ان تفعلوا بهم ، وقيل لا يأتيكم الناس لفبحكم بذلك ، او بالقتل واخذ المال ﴿ وتأتون فى نادِيكُم ﴾ في مجلسكم الممتلئ بالناس ﴿ المُنْكر ﴾ كاللواط فى محضرهم الغريب ، ولبعض مع بعض ، والضرط فيه ، وحل الازار ، ولا حياء لهم ، وعن ام هانئ بنت ابى طالب ، عنه صلى الله عليه وسلم : « يحذفون ابناء السبيل ويسخرون منهم » رواه احمد والترمذى والطبرانى والحاكم والبيهقى ، يرمون ابن السبيل بالحصى ، فمن اصابته حصاته جامعه واخذ ماله ، وقيل : يغرمه ثلاثة دراهم ويجامعه ، ويأخذ ما معه ايضاً ، وعن ابن عباس : الرمى بالحصى والبنادق ، وفرقعة الاصايع ، ومضغ العلك والسواك بين الناس ، وحل الازرار والسب والفحش بالمزاح ، والضرط والتصافع ، وعن مجاهد لعب الحمام وتطريف الاصابع بالحناء ، والصفير والحذف بالحصى ، ونبذ الحياء فى جميع امورهم ، ولم يات عن لوط انه دعاهم الى الاسلام لانهم من قوم ابراهيم ، وقد كفاه فى ذلك .

﴿ فَما كانَ جَوابَ قَوْمه الا ان قالوا ائتنا بعَذَاب الله إنْ كنْتَ من الصادقين ﴾ فى دعوى النبوة ، وفى تقبيح اللواط وتحريمه ، والعذاب عليه ، فانه يذكر لهم العذاب والتحريم ولو فى اول مجيئه اليهم للنهى ، ولا يتنافى هذا الحصر والذي فى قوله : « إلا أن قالوا اخرجوهم » والذى فى قوله : ﴿ إلا ان قالوا اخرجوا آل لوط ﴾ لان الحصر فيهن اضافى ، اى قالوا تلك الاقوال دون ان يذعنوا او يلينوا بشئ ، وهذا اولى من ان يقال : ما هنا عن كبارهم ، والآخران عن غير كبارهم ، أو بالعكس ، ومن ان يقال : جوابهم إذ نصحهم وغيره جوابهم فيما بينهم ، إذ تشاوروا ، وقد بلغوا هذا الجواب كما هو ظاهر الآية ، ومن ان يقال ما هنا اول الوعظ كذبوه وسخروا به ، والآخران انتقام منه إذ عاودهم ، ولا يبيح الله سبحانه وتعالى لواط الولدان في الجنة ، ولا ادبار النساء ، ولا يخطئ الله في قلوبهم ان يحبوا ذلك فيجابوا لقبحه عقلا وشرعا ، وابيحت خمر الجنة ، لانها لا تسكر ، بل قال ابن العربى لا ادبار لاهل الجنة ، لانها لخروج الفضلة والريح ، وليسا فيها ، واخطأ من اجاز ذلك من قومنا ، وأقول لعل لهم ادبار لكمال الخلقة لا لذلك .

٣٬٣٦٨ / ٦٬٢٣٦