سورة العنكبوت · الآية ٤٥ من ٦٩

‹ السورة السابقة
ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ٤٥
الرسم الإملائيّ

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

الجزء ٢٠الربع ١٦٠ صفحة ٤٠١

تفسيرها

[سورة العنكبوت — آية 45]

﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ تقربا إلى الله بقراءته ، وتحفظا لألفاظه ، واستكشافا لمعانيه ، وتبليغا لأحكامه ، فإن القارىء المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ إن أقيمت على الوجه ، فإنها ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي ، من حيث أنها تذكر الله ، وتورث للنفس خشية ، وما لم تنهه صلاته عن الفحشاء فليست بمقبولة ، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ من أمر دنياكم ، أو الصلاة أكبر من سائر الطاعات ، لأنها عماد الدين ، أو مشاهدة المذكور في الصلاة ، فهو أكبر من الصلاة ، أو ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته ، أو مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة ، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ منها ، ومن سائر الطاعة فيجازيكم بها أحسن المجازاة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٨٥

[سورة العنكبوت — آية 45]

قوله : ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ ﴾ . قال الكلبي : إن العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكراً . ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ قال الحسن في تفسير قول الله : ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [ البقرة : 152 ] قال : فإذا ذكرَ العبدُ الله ذكره الله ، فذكرُ الله العبدَ أكبرُ من ذكرِ العبدِ إياه .

ذكروا عن محارب بن دثار قال : قال لي ابن عمر : كيف كان تفسير ابن عباس في هذه الآية : ﴿ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ﴾ ، فقلت : كان يقول : إن ذكرَ الله العبدُ عند المعصية فيَكُفُّ أكبر من ذكره إياه باللسان . فقال ابن عمر : إن العبدَ إذا ذكر الله ذكره الله ، فذكرُ الله العبدَ أكبرُ من ذكر العبد إياه .

قال الحسن : الذكر ذكران ، أحدهما أفضل من الآخر : ذكر الله باللسان حسن ، وأفضل منه ذكرك الله عند ما نهاك الله عنه . والصبر صبران : أحدهما أفضل من الآخر؛ الصبر عند المعصية حسن ، وأفضل منه الصبر عما نهاك الله .

قال : ﴿ وَالله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٨٥

[سورة العنكبوت — آية 45]

﴿ اتْلُ ما أوحِىَ اليْكَ من الكتاب ﴾ دم على تلاوته تقربا الى الله تعالى وتذكيراً بها لغيرك ، وتفكراً فى معانيها ﴿ وأقِم الصَّلاة ﴾ دم على إقامتها ﴿ إنَّ الصلاة ﴾ فرضها ونفلها ، اداءها وقضاءها ، ومن قضائها تأخير سنة المغرب عن العشاء فى حال الجمع بين المغرب والعشاء ، وسنة الفجر عن فرضه اذا قدم عنها خوف طلوع الشمس ، وادركها فى الوقت ، كما اذا فات وقت الصلاة مسنونة ، فان النفل يجوز قضاؤه ، وقيل : يقوت وقته ، وقيل : ان كان تابعا لفرض صح قضاؤه كسنة الفجر ، وسنة المغرب ، وسنة العشاء ، والا لم يصح ، وجاء فى ذلك احاديث ، وذلك تعليل جمالى لاقامتها .

﴿ تَنْهى عن الفحشاء والمُنْكر ﴾ لاشتمالها على قراءة القرآن ، والتكبير والتعظيم والتسبيح ، والركوع والسجود ، فهى مشتملة على ما هو زجر ووعظ ، وتعظيم لله سبحانه ، وملوحة بأن من شانه هكذا لا يعصى فقد تؤثر فى المصلى ، وقد لا يتأثر بها يصلى ، وهو غاسق ، وقيل هى ناهية لمن فيها حتى يخرج منها حضر قلبه او لم يحضر ، تاثر بها او لم تؤثر فيه ، فهى كالمتكلم اذا فرغ منها ، كمن سكت ، ومن اخل بها لفت كما يلف الثوب الخلق ، ويرمى بها وجهه ، وتقول : ضيعك الله كما ضيعتنى ، فالانتهاء عن الفحشاء والمنكر علامة صحة الصلاة وقبولها ، فمن احب ان يعلم هل قبلت فلينظر هل انتهى عن الفحشاء والمنكر ، فالقبول على قدر ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له » رواه الطبرى والبهيقى ، ولفظ الطبرانى عن ابن عباس وابن مسعود موقوفا ومرفوعا : « لم تردد بها عن الله الابعدا » وعن الحسن وقتادة : « فصلاته عليه وبال » ومن داوم على صلاته جرته الى ترك المعاصى ، كما قيل لابن مسعود : فلان يطيل الصلاة ، فقال : ان الصلاة لا تنفع الا من أطالها فى نهيها .

كان فتى من الانصار يطيل الصلاة ، ولا يدع فاحشة ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ستنهاه صلاته » فتاب عن قريب ، ومثله قال فى رجل يصلى الليل ، واذا اصبح سرق ، وعن ابن عمر : الصلاة هنا القرآن ، وقيل : الدعاء والصحيح ما مر ، وعن انس انه كان يقرأ : ان الصلاة تأمر بالمعروف ، وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، وذلك قراءة تفسير .

﴿ ولذِكْ الله ﴾ اياكم برحمته ، ومنها التوفيق للصلاة ﴿ أكْبر ﴾ من ذكر الله بطاعته ، كذا عنه صلى الله عليه عن طريق ابن عباس ، ومنها الصلاة عند ابن عباس واين مسعود وابن عمر ، وهو رواية عن سلمان وابى الدرداء ، او ذكر الله العبد فى الصلاة اكبر من الصلاة ، قاله ابو مالك الصحابى ، او اكبر من كل شئ ، او ذكره العبد فيها اكبر من ذكره العبد خارجها ، او ذكر العبد الله اكبر من سائر اعماله ، قال معاذا مرفوعا : « ذكر العبد لله انجى له من العذاب من الجهاد ، ومن ان يضرب بسيفه فى سبيل الله حتى ينقطع » وروى : « حتى يموت ، ومن سائر اعماله » زاد ابو داود : « ومن اعطاء الدنانير والدراهم » وزاد « انه احب الى الله وارجع لدرجاتكم وقرأ الآية » وكذا فسرها سلمان وابن عباس فى رواية عنهما ، وعن ابن عباس : افضل الاعمال ذكر الله تعالى ومن ذكروا الله فى المسجد اظلتهم الملائكة باجنحتها ، وكانوا ضيف الله ما لم يفيضوا فى غيره ، ومن سلك طريقا الى العلم سهل الله له طريقا الى الجنة ، او ذكر الله لصلاة وهى اكبر من سائر الطاعات ، سماها ذكرا لاشتمالها على الذكر الزاجر ، او ذكر الله عند عروض المعصية بالخشية منه ، فتترك اكبر من الصلاة فى الزجر او ذكر الله اكبر من ان تبقى معه معصية ، او التخلف عن الناس بذكر الله تعالى لا يخلطون به غيره .

﴿ والله يعْلم ما تصْنَعُون ﴾ من الخير ، فيجازيكم ، لا تظنوا انه يضيع شئ ، فهذا وعد ، او من الخير والشر فهو وعد ووعيد .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٨٥