قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَیۡرࣲ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتࣱ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِینَ فِیهَا وَأَزۡوَٰجࣱ مُّطَهَّرَةࣱ وَرِضۡوَٰنࣱ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِٱلۡعِبَادِ١٥
الرسم الإملائيّ
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
الجزء ٣الربع ٢١ صفحة ٥١
تفسيرها
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾ الشهوة : تَوقَان النفس إلى الشيء ، والشهوة : مستزذلة عند الحكماء ، مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، وأزيد عليها بقوله : ﴿ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ المرجع ، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة ؛ ثم زهدَّهم في الدنيا وقال : ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ ﴾ من الذي تقدم ، معناه : أُخبركم بعمل خير من السعي لما تقدم . ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الله بترك ما زُين للناس مما جرمه الله عليهم . ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ ؛ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ بلسان مقالهم وحالهم : ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٠٨
قوله : ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيرٍ مِّن ذَلِكُمْ ﴾ أي من هذا الذي ذكر من متاع الحياة الدنيا . ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ . ذكروا عن أنس بن مالك قال : أنهار الجنة تجري في غير خدود : الماء واللبن والعسل والخمر؛ وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر ، ورضراضه الدر والياقوت ، وحافاته قباب اللؤلؤ .
قوله : ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي لا يموتون ولا يخرجون منها .
قوله : ﴿ وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ أي مطهّرة من الاثم والأذى . قال الحسن : ومن مساوىء الأخلاق .
ذكروا عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء أهل الجنة : « لا يحضن ولا يلدن ولا يمتخطن ولا يبلن ولا يقضين حاجة إلا حاجة ليس فيها قذر » .
قوله : ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ . ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة ورأوا ما فيها قال لهم : لكم عندي أفضل من هذا . قالوا : ربنا ليس شيء أفضل من الجنة . قال : بلى ، أُحِلّ عليكم رضواني » .
***********************
افتحه في القارئ · صفحة ٣٠٨
﴿ قُلْ ﴾ للناس كا عم في قوله زين للناس أولى من أن يقال ، قل لقومك ﴿ أُؤُنَبِّكُم بِخَيْرٍ مَّن ذَلِكُمْ ﴾ أى من ذلكم المزين من الشهوات ، والاستفهام لتحقيق خيرية ما عند الله على ذلك ، والخير ية الزيادة المطلقة ، أو من قبيل ، العسل أحلى من الخل ، أو باعتبار أن الخير متحقق فى مستلذات الدنيا ، إذا كانت على وجه قصد الدين ، واستأنف بقوله ﴿ لِلِّذينَ اتَقَّوْا ﴾ الخ ، أو بقوله ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ الخ ، أى عندهم ، أو بقوله ﴿ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَأرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مًُّطَهَّرَةٌ ﴾ أى هو جنات ، وفى الأوجه الثلاثة تفصيل بعد إبهام ، والاستئنفاف نحوى أو بيانى ، أى ما هو ولمن هو ، والتقوى اجتناب الكبائر ، أو مع الصغائر ، والإصرار عليها كبيرة لا اجتناب الشرك فقط ، إلا من مات بعد توحيده وقيل وجوب فرض فعل ، أو ترك الشهوات الشاغلة من الطاعة ، وضعف ما قيل من أن المراد بالتفوى ترك الإعراض عن الله ، وخالدين بمعنى مقدرين الخلود ، وصاحب الحال الذين قبل ، أو جناب موصوفة بأنهم خالدون فيها ، وعليه فلي يبرز الضمير مع جريان الوصف لغير ما هو له ، لظهور المراد ، وهذا على قول الكوفيين كما هو وجه فى أجرا حسنا ما كثين فيه ، ولو برز لقيل خالداهم وماكثاهم ، والمراد بتهطهير الأزواج جعلها غير مقترنة بما يستقذر كالحيض ، ورطوبة الفرج ، والبصاق ، المنى مع لذة الجماع ، لا يدرك أحد غايتها ، والوسخ ، ودنس الطبع ، وسوء الخلق ، وقدم الخلود عن الأزواج هنا ، وأخر فى البقرة ، لأن النساء من جنس ما يشتهونه فى الدنيا فذكرت بأن حالها مخالفة للنساء التى يشتهونها فى الدنيا ، ولذا خصت بالذكر من بين النعم التى تفهم من ذكر الجنة ، وأيضا ذكر الجنة ، وأزال خوف الفوت بذكر الخلود وذكر بعض نعمها . ومنها الأزواج ، فبين أن نساء الجنة الآدميات والحور ليس فيهن ما فى الدنيا من الكدر ، وللذين خبر لمحذوف ، أى ذلك الخير للذين من بين النعم التى تفهم من ذكر الجنة ، وأيضا ذكر الجنة ، وأزال خوف الفوت بذكر الخلود وذكر بعض نعمها . ومنها الأزواج ، فبين أن نساء الجنة الآدميات والحور ليس فيهن ما فى الدنيا من الكدر ، واللذين خبر لمحذوف ، أى ذلك الخير للذين ، وجنات كذلك ، أى هو جنات ، أو جنات خبره للذين أو للين متعلق بخير ، وجنات خبر لمحذوف كما رأيت ، ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لخير ، وعند متعلق بمحذوف نعت لخير ، أو حال منه أو نعتا لخير ﴿ وَرِضْوَأنٌ مِّنَ اللهِ ﴾ عظيم كثير ، بمعنى إحسان ، وهو فعل لله ، أو نفى لسلب النعم ، ولحلول النقم وإثبات لكونهم م أوليائه أبدا ، وهو صفة لله عز وجل ، وأخر الرضوان على سبيل الترقى ، يقول الله عز وجل ، يا أهل من خلقك ، فنقول جل شأنه : ألا أعطيكم أفض من ذلك ، فيقولون ، يا ربنا وأى شىء أفضل من ذلك؟ قال : أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم أبدا ﴿ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ ﴾ عليم بهم وبأحوالهم ، فيجازى كلا من المطيع والمعاصى بما يستحق ، أو المراد بالعباد الذين اتقوا ، فلذلك أُعد لهم الجنة ، والأول لعمومه أولى ، وعلى الثانى يكون قوله :
﴿ الَّذِينَ ﴾ نعتا للعباد ، وعلى الأول نعتا لقوله ، الذين اتقوا ، أو التقدير ، هم الذين ، أو أمدح الذين ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنآ ذُنوبَنَا ﴾ صغائرنا وكبائرنا ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النّارِ ﴾ المراد آمنا إيماناً تامَّا ، وهو التوحيد وأداء الفرائض ، واجتناب المناهى ، أو آمنا وامتثلنا وانتهينا بحسب ما يظهر لنا ، ويدل لذلك ذكر التقوى قبل .
فلا دليل فى الآية على أن الإيمان ، أى التوحيد ، كاف مطلقا فى الغفران ووقاية النار ، وأنت خبير بأن الإيمان يطلق كثيراً شائعاً على العمل ، كقوله تعالى : وما كان الله ليضيع ايمانكم ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « الإيمان بضع وستون جزءاً ، أدناها إماطة الأذى » .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٠٨