سورة آل عمران · الآية ١٥٢ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۤ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰۤ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَیۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَاۤ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن یُرِیدُ ٱلدُّنۡیَا وَمِنكُم مَّن یُرِیدُ ٱلۡءَاخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِیَبۡتَلِیَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ١٥٢
الرسم الإملائيّ

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

الجزء ٤الربع ٢٧ صفحة ٦٩

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 152]

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم ﴾ تقتلونهم ، وقيل : حسَّه : أبطل حسَّه بالقتل ، ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ بأمره وعلمه ؛ ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ أي ك اختلفتم ، ﴿ وَعَصَيْتُم ﴾ أمر نبييكم ، بترككم المركز ، أو اشتغالكم بالغنيمة ، ﴿ مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ﴾ من الظفر وقهر الكفار ، ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ وهم الذين تركوا لمركز لطلب الغنيمة ، ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ وهم الثابتون على الطاعة ، ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ أي : كفَّ معونته عنكم فغلبوكم ؛ ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ ليمحِّص صبركم على المصائب ، وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر ، لأنه يجازي على ما يعمله العبد ، لا على ما يعمله منه ؛ ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ﴾ حيث ندمتم على ما فرط منكم ، ﴿ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بالعفو عنهم وقبول توبتهم ، أو هو متفضَّل عليهم في جميع الأحوال ، سواء أديل بهم ، أو أديل عليهم ، لأن الابتلاء رحمة ، كما أن النصرة رحمة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٥

[سورة آل عمران — آية 152]

قوله : ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ﴾ أي إذ تقتلونهم بإذنه في تفسير الحسن ومجاهد وغيره . ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ . قال بعضهم : جبنتم ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾ أي اختلفتم ﴿ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

ذلك يوم أحد؛ عهد إليهم نبي الله عهداً ، وأمرهم بأمر ، فنسوا العهد . يعني قول النبي لهم : فإن هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين .

وقال بعضهم : خالفوا إلى غير ما أمرهم به فصرف عنهم عدوهم بعد ما أراهم ما يحبون فيهم .

وقال مجاهد : نصر الله المؤمنين يومئذ على عدوهم من المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ، بادية سوقهن ، ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم النبي حتى خطبهم على بغلته الشهباء وقال : ربّ اكفنيهم بما شئت .

قوله : ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ . . . الآية . قال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رأيت البارحة كأن علي درعاً حصينة فأوّلتها المدينة ، فاكمنوا للمشركين في أزقتها حتى يدخلوا عليكم في أزقتها فتقتلوهم » فأبت الأنصار من ذلك فقالوا : يا رسول الله ، منعنا مدينتنا من تبّع والجنود ، فنخلي بين هؤلاء المشركين وبينها يدخلونها .

فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه . فلما خرجوا من عنده أقبل بعضهم على بعض فقالوا : ما صنعنا؟ أشار علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرددنا رأيه . فأتوه فقالوا : يا رسول الله ، نحن نكمن لهم في أزقتها حتى يدخلوها فنقتلهم فيها؛ فقال : « إنه ليس لنبي لبس لامته ، أي سلاحه ، أن يضعها حتى يقاتل » قال : فبات رسول الله دونهم بليلة ، فرأى رؤيا ، فأصبح فقال : « إني رأيت البارحة كأن بقراً منحّراً ، فقلت بقر والله خير؛ وإنها كائنة فيكم مصيبة ، وإنكم ستلقونهم غداً وتهزمونهم ، فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين » ففعلوا؛ فلقوهم فهزموهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاتبعوهم على وجهين؛ أما بعضهم فقالوا : مشركون وقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم ، فقتلوهم على وجه الحِسبة . وأما بعضهم فقتلوهم لطلب الغنيمة . فرجع المشركون عليهم فهزموهم حتى صعدوا أحداً . وهي قوله : ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنكم ستلقونهم فتهزمونهم فلا تتبعوا المدبرين » .

قال : حتى إذا فشلتم أي : ضعفتم في أمر رسول الله ، وتنازعتم أي : اختلفتم فصرتم فريقين تقاتلونهم على وجهين ، وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبّون من النصر على عدوّكم .

قال : ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ قد فسّرناه قبل هذا ونرجع فيه؛ يقول : من يريد الدنيا فهي الغنيمة . ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ الجنة والثواب ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ﴾ إذ لم يستأصلكم ﴿ وَالله ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ الجبل .

***********************

أي أُحُداً ﴿ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ جعل يقول : إليّ عباد الله! حتى خصَّ الأنصار فقال : يا أنصار الله! إلي ، أنا رسول الله . فتراجعت الأنصار والمؤمنين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٥

[سورة آل عمران — آية 152]

﴿ سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ الخوف كما علا أبو سفيان أحدا ، فقال ، أبن ابن أبى كبشة ، يعنى رسول صلى الله عليه وسلم ، أبن ابن الخطاب ، فأجابه ابن الخطاب ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وأنا عمر ، ولم ينزل مع كثرة قومه إليهم مع قلتهم خوفا ، بل قال ، يوم بيوم ، والأيام دول ، والحرب سجال ، أُعل هُبَل ، فأجابه عمر ، الله هو العلى الأجل ، فى كلمات دارت بينهم ، ورجع أبو سفيان إلى مكة من غير سبب غير الخوف ، وقال ، يا محمد ، موعدكم موسم بدر ، من قابل ، فقال صلى الله عليه وسلم نعم : إن شاء الله ، وكما روى أنهم ساروا ما شاء الله عز وجل ، وقيل وصلوا هاد كجبل قريبا من المدينة وندموا ، وقالوا ، ما صنعنا شيئا لم يبق إلا أقلهم فتركناهم وفيهم رؤساء يجمعون إليكم ، ارجعوا إليهم نستأصلهم ، فخافوا ولم يرجعوا ، وأرسلوا بعض الأعراب ، أن يبلغه صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يجمع لكم ، وقال قائلهم الغلبة لكم ، فلعلكم إن رجعتم تكونوا مغلوبين فيفسد أمركم ، وذلك الإلقاء بعد الوقعة كما ألقى أولا قبل ترك المركز ، وحمل الآية عليه يحتاج إلى دعوى تقدم نزول سنلقى الآية على الآيات قبله ، ولو تكلفناه لشمل هذا الرعب والرعبين المذكورين الواقعين بعد الوقعة ، وتبعهم النبى صلى الله عليه وسلم بعد رجوعهم فى ستمائة وثلاثين ممن شهد أحدا ، حتى وصلوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة ، ولم يدرك منهم أحدا ، وقيل الآية نزلت فى الأحزاب ﴿ بِمَآ أَشْرَكُوا ﴾ بإشراكهم ﴿ بِأللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ﴾ الأصنام والشياطين ، وروعى لفظ ما ، أو المراد العبادة كذلك ، أو الإشراك ، أى بعبادته أو إشراكه ﴿ سُلْطَاناً ﴾ حجة لعدمها ، فضلا عن أن ينزلها ، والسالبة تصدق بنفى الموضعو ، سميت سلطانا لقوتها ووضوحها وحدتها ونفوذها ، والنون زائدة لا وجه لأصالته ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ﴾ مرجعهم ﴿ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَالِمِينَ ﴾ مقامهم أبدا ، وذلك ترتيب بحسب الوجود ، فإن الذهاب لى موضع سابق على الإقامة فيه والظالمون عام ، ومنهم هؤلاء ، والظلم عام ، وأعظمه الشرك ، والمخصوص مقدر ، أى هى ، ولما رجح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى المدينة قال بعض الصحابة من أين اصابنا هذا وقد وعدنا بالنصر ، فنزل قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ ﴾ وفى لكم وعده بالنصر المذكور فى قوله تعالى ، بلى إن تصبروا وتتقوا . . . الآية ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُم ﴾ أى تبطلون حسهم بالقتل ، أو تصيبون حواسهم بالسوء ، كقولك ، كبدته ، أصبت كبده ، وركبته ، أُصبت ركبته كما أطلقته فى شرح لامية أبن مالك ، قال صحابى :

ومنا الذى لاقى بسيف محمد … فحس به الأعداء عرض العساكر

بإرادته أو قدرته كما وعدكم بالنصر لما أقبل المشركون ، جعل رماتكم يرشقونهم بالنبل ، وباقوكم يضربونهم بالسيف والرمح حتى انهزموا وأنتم بإثرهم ، فهذا وفاء بالوعد حتى تركتم الشرط وهو الصبر والاتقاء بانقسامكم قسمين ، بسبب ميل قسم إلى الغنيمة ، فالمائل إليها معرض عن القتال ، ضعيف فيه ، وغير المائل منكسر القلب ضعيفه بالانفراد عن الآخر ، ولا سيما أن غير المائل قليل ، وحتى للابتداء ، وجواب إذا يقدر بعد قوله ، ما تحبون ، هكذا منكم نصره أو انهزمتم أو امتحنكم أو جبنتم ، واعترض تقدير امتحنكم يجعل الابتلاء غاية للصرف المترتب على منع النصر ، ويضعف تقديره بأن لكم أمركم ، أو انقسم قسمين لقلة فائدة ذلك ، ولأنه يغنى عنه قوله عز وجل ، منكم من يريد الخ ، وإن أخرجناها عن الشرط وجررناها بحتى كان المعنى تحسونهم إلى وقت فشكلم ، أو صدقكم وعده إلى وقت فشلكم ، أو دام ذلك إلى وقت فشلكم ، وتعلق بتحس أو صوتكم ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ ﴾ أمر الحرب ، أو أمره صلى الله عليه وسلم ، فمن قائلين ، ما مقامنا هنا وقد انهزم المشركون ، هلموا نعم ، وهم الأكثر ، ومن قائلين ، لا تخالف موضعاً أمرنا صلى الله عليه وسلم به ، وهمَّ أمير المركز ، عبد الله بن جبير ونفر دون العشرة ، قتلوا رضى الله عنهم ، والباقون الأكثر عصوا ، وهم المراد بقوله ﴿ وَعصَيْتُم ﴾ فالمراد فيه المجموع لا الجميع ، لأن من لزم المركز مطيع ، وإنما عصى من انتقل عنه ، وهو سفح الجبل ، أمر الجميع بلزومه والرمى منه معاونة لأصحاب السيف ﴿ مِّنْ بَعدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ من الظفر والغنم وانهزام العدو ، وروى أحمد وغيره عن ابن عباس ما نصر الله عز وجل نبيه فى موطن كما نصره فى أحد ، فأنكروا ذلك ، فاحتج عليهم بقوله تعالى ، ولقد صدقكم الله وعده ، إذ تحسبونهم ، قال مجاهد ، نصر الله تعالى المؤمنين ، حتى ركبت نساء المشركين على كل صعب وذلول ، وقد قال صلى الله عليه وسلم للرماة ،

« لا تفارقوا موضعكم ولو رأيتم الطير تأكلنا » ، ففارقوه وجاءهم خالد وعكرمة بن أبى جهل فأرسل إليهم صلى الله عليه وسلم الزبير فهزمهما ومن معهما ، فدخل الرماة العسر ودخل خالد ومن معه موضعهم ، وقتل بعض المسلمين بعضا التباسا ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدَّنْيَا ﴾ وهم من تحولوا عن المركز للغنيمة ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأَخِرَةَ ﴾ وهم الملازمون للمركز حتى قتلوا ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ عطف على جواب إذا ، والمعنى كفكم ﴿ عَنْهُمْ ﴾ بالانهزام ، وغلبوكم ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ يعاملكم معاملة المختبر ليظهر إخلاصكم وثباتكم على الإيمان وعدمها ، وفى ذلك استعارة مركبة تمثيلية ، والآية دليل على أن كل فعل لمخلوق فعل الله ، بمعنى أنه خلقه ، ولو معصية ، إذا أسند الصرف إلى نفسه ، مع أن الانهزام كبيرة ومخالفة لأمره صلى الله عليه وسلم بلزوم المركز ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ﴾ لعلمه بتوبتكم عن المخالفة ، فلا ضمان دية ولا عتابن فهذا تفضل ، فلا دليل فى الآية على تصور العفو بلا توبة ، نعم يتصور فى ناسى ذنبه الذى لم يضر عليه ، ولا سيما من يستغفر من الذنوب عموما وخصوصا فيدخل ذنبه فى العموم ، وهو تعميم واجب عَلَى المكلف ، وقيل : عفا عنكم بمحض فضله ، عفا عن الاستئصال ، وقيل عن من لم يعص بانصرافه ﴿ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَآ المُؤْمِنيِنَ ﴾ يعفو عنهم ويرحمهم ، غُلبوا أو غَلبوا ، والمراد المخاطبون ، أو عموم المؤمنين ، فيدخلون أولا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٥