إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰۤ أَحَدࣲ وَٱلرَّسُولُ یَدۡعُوكُمۡ فِیۤ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمࣲّ لِّكَیۡلَا تَحۡزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَاۤ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ١٥٣
الرسم الإملائيّ
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٦٩
تفسيرها
﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾تبالغون في الذهاب ، صعيد الأرض ، والإصعاد : الذهاب في الأرض ؛ ﴿ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ ﴾ ولا تلتفتون ، وهو عبارة عن غاية انهزامهم ، وخوف عدوِّهم ؛ ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ﴾ يقول : إلي عباد الله .. إلي عباد الله .. أنا رسول الله ، من يكرُّ فله الجنة . ﴿ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وهي المتأخرة ، ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ فجازاكم الله ﴿ غُمَّاً ﴾ حين صرفكم عنهم ، وابتلاكم ﴿ بِغَمٍّ ﴾ بسبب غمٍّ أذقتموه رسول الله بعصيانكم أمره ، أو غمَّا بعد غمٍّ ، وغمًّا متصلاً بغمٍّ ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله ، والجروح والقتل ، وظفر المشركين ، وفوتِ الغنيمة والنصر ، ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ لتعتادوا على تجرُّع الغموم ؛ فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ، ﴿ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ ﴾ ولا على مصيب من المضارِّ ، ﴿ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ علم بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٦
قال : ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ ﴾ بما قتلوا من إخوانكم من فوق الجبل بالغم الذي أصابهم يوم بدر .
قال الكلبي : هو إشراف خالد بن الوليد عليهم من فوق الجبل . وقال بعضهم : إِذْ تُصْعِدُونَ : صعدوا في الوادي فرأوا نبي الله يدعوهم : إلي عباد الله ، إلي عباد الله . [ كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله أصيب ] . وكان الهمّ الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي فيها . قال : وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلاً : ستة وستون من الأنصار ، وأربعة من المهاجرين .
قوله : ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الغنيمة ﴿ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ ﴾ من قتل إخوانكم ، إنما همّ كل رجل منكم بقتله في تفسير الحسن . وقال غيره : وما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراح . قال : ﴿ وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٦
﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ اذكر إذ تصعدون ، أو عصيتم إذ تصعدون ، أو تنازعتم إذ تعصدون ، أو فشلتم إذ تصعدون ، أو لقد عفا عنكم إذ تصعدون ، أو ذو فضل عَلَى المؤمنين إذ تصعدون ، أنا خصصنا المؤمنين بالمنهزمين ، والاصعاد الإبعاد فى الأرض والذهاب فيها هاربين ، كقولك أعرق بمعنى دخل العراق ، أو إذ تصعدون الجبل حين ضايقكم العدو ، لا مانع من خطابين بلا عطف ، لأن الخطاب فى تصعدون شامل له أيضا ، كقولك : إذكر يا زيد وقت جئت أنت وعمر وفأكرمتكما ولا مخالفة للظاهر ، وذلك كقوله تعالى : يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ، أى طلقت أنت وأصحابك ﴿ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ لا تقيمون لأحد من أصحابكم ليلتحق بكم ، أو لتردوا عنه ، ولو فى هذا المعنى لا يستعمل إلا فى النفى ﴿ وَالرَّسُولُ ﴾ قبل أن يعرفه كعب بن مالك ، ونادى هذا رسول الله ، وقال له اسكت ، وقد مر ﴿ يَدْعُوكُم ﴾ لتججتمعوا عنده ولا تفرقوا ولتجاهدوا ﴿ فِى أُخْرَاكُمْ ﴾ من ورائكم ، إلىَّ عباد الله ، إلىَّ عباد الله ، من يكر فله الجنة ، من صبروا احتسب فله الجنة ، أى من آخركم ، أو فى جماعتكم الأخرى أى الآخرة ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾ جازاكم والثواب فى اللعنة الجزاء ولو بشر ، ولو خص فى العرف بخير ، حتى قيل إنه هنا تهكم ﴿ غَمَّا ﴾ بالهزيمة والجراح والقتل ، وفوت الغنيمة والإرجاف بموت النبى صلى الله عليه وسلم ، وهو غم كثير متكرر ﴿ بِغَمٍّ ﴾ بسبب غمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل وقف عليهم ببان الشعب أبو سفيان ، فخافوا أن يقتلهم خوفاً أنساهم قتل من قتل من قبل ، قيل : بمخالفة المركز والتفرق عنه ، أو غما مع غم أى متكرراً كثيراً لا غمين فقط ﴿ لِكَيْلاَ تحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الغنيمة والغلبة ﴿ وَلآ مَآ أصَابَكُمْ ﴾ ولا على ما أصابكم من القتل فى أقاربكم وأصحابكم والهزم ، والمعنى لتمهدوا أنفسكم بعد على الصبر فى الشدائد ، من فوت نفع ، أو لخوف ضر وعلى أن الدنيا دول ، كما فرحتم ببدر وحزنتم باحد ، ولا دليل على زيادة لا فى الموضعين هكذا لتحزنوا على ما فاتكم ، وعلى ما أصابكم ، ولا دليل على أن ضمير أثاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أى اقتدى بكم فى الإغمام بما نزل عليكم ، كما أغتممتم بما نزل عليه ولم يعاتبكم على مخالفة المركز تسلية لكم ، كى لا تحزنوا على ما فاتكم ولا على ما أصابكم ، وذلك بأنهم لما رأوه مشجوجا مكسور الرباعية مقتول العم اغتنموا لأجله ، ورآهم عصوا بالمخالفة وحرموا من الغنيمة وقتلت أقاربهم وأصحابهم وهزموا اغم ﴿ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من نية وقصد قول وعمل الجوارح ، والجزاء على ذلك ، قال ابن عمر : فر عثمان يوم أحد وعفا الله عنه وعن من فر معه ولم يحضر بدراً لأمره صلى الله عليه وسلم با ، يقيم مع زوجه لمرضها ، وهى بنته صلى الله عليه وسلم ، وقال : لك أجر من شهد وشهمه ، ولم يحضر بيعة الرضوان لوقوعها بعد ما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وقد ضرب بيمناه بدلا عن بيعة عثمان .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٤٦