سورة آل عمران · الآية ١٦٩ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ١٦٩
الرسم الإملائيّ

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

الجزء ٤الربع ٢٨ صفحة ٧٢

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 169]

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ في الجهاد ، وفي إحياء دين الله ، ويخرج في جميع طاعة الله تعالى ، ﴿ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ قيل أحياء في الدين ، وقيل : في الذكر ، وقيل : يرزقون مثل [ما] يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون ؛ وهو تأكيد لكونهم أحياء ، وصف حالهم التي هم عليها من التنعُّم برزق الله تعالى فيما قيل ؛ والله أعلم بحقيقة حالهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٢

[سورة آل عمران — آية 169]

ثم أراد أن يعلمهم أنهم مقتولون أو ميّتون ، وأن القتل في سبيل الله أفضل فقال : ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ . ذكر بعض المفسّرين أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول . وذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال : يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا في سبيل الله يوم أحد؛ فأنزل الله : ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٢

[سورة آل عمران — آية 169]

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ من شهداء أحد وكذا مثلهم ﴿ أَمْوَأتاً ﴾ نزلت فى شهداء بدر وأحد ، وإن تأخرت الآية عن أحد ففيهما ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو كل من يصلح له ، أو لمن قالوا : لو أطاعونا ، ورجحوا أنها نزلت فى شهداء أحد ، وأما شهداء بدر فنزل فيهم : ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله . . الآية ، لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم بأرواحهم فى أجواف طير خضر فى قناديل ذهب ، معلقة تحت العرش ، قالوا : من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء فى الجنة ليرغبوا فى الجهاد ، فقال الله عز وجل : أنا أبلغهم عنكم فأنزل ، ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا ، قال جابر بن عبد الله : قتل أبى قى أحد عن بنات وديون ، فقال صلى الله عليه وسلم ما رأى أنكسارى وأخبرته ، أحياء الله ، وقال : يا عبد الله ، سلنى ما شئت : فقال : أعدنى للدنيا فأقتل فيها ثانيا فقال : يا عبدى ، قضيت ألا أعيد إلى الدنيا من مات ، وكلم الله الشهداء من وراء حجاب ، أى بواسطة الملائكة ، وكلم أباك كفاحا ، أى خلق الله له كلاما حيث شاء فسمعه ، قال : فمن يبلغ ما أنا فيه من الكرامة ، قال : أنا ، فأنزل الآية ، وروى ابن إسحق عن أنس أنها فى أهل بئر معونة رضى الله عنهم ، وأنه أنزل الله عز وجل فيهم قرآنا يتلى ، أبلغوا عنا قومنا ، أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ، ورضينا عنه ، ثم نسخ ﴿ بَلْ أَحْيَآءٌ ﴾ هم أحياء ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ لا أموات عنده ، أى حيوا عنده ، أو ثابتون عنده ، أو ذوو زلفى عنده ، فالقرب قرب تكريم ، أو يتعلق بقوله ﴿ يُرْزِقُونَ ﴾ من ثمار الجنة ولحمها وسائر طعامها ، كما يرزقون منها ذلك إذا بعثوا ودخلوها ، وكما يعذب الكفار قبل يوم القيامة وبعد البعث يعرضون عليها غدوَّا وعشيَّا ، أغرقوا فأدخلوها ناراً ، أو تعجيل الرحمة لأهلها أحق من تعجيل العذاب لأهله ، فليس كما قيل يرزقون إذا دخلوها يوم القيامة ، بل من الآن ، فقيل : تنعم أرواحهم فى أجواف طير خضر ، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتسرح فى الجنة حيث شاءت ، وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش ، جاء الحديث بذلك ، فقد يفسر به فقط ما ذكر فى الآية ، وإذا جاء يوم البعث ردت إلى نفس أجسادها فى الدنيا ، بأن يجمع نفس ما تلف من الأجساد ، وهكذا شأن البعث ، ولا تقل بجسد غير هذا فتزِلَّ ، ثم إنه قد يصل الجسد نفسه إلى داخل الجنة فتكون فيه الروح ، وقد يوصل إليه الخير من الجنة إلى قبره وهو حى وماتفتت ، فالتنعم بالروح فقط ، ولو كان المراد بالحياة مطلق السعادة كما يقال فلان حى ولو مات ، وفى الجاهل ميت ولو حى ، كما قيل ، أو لقرب وقت البعث والجنة ، أو تحققهما ، لم يقل يرزقون فهذا مناف للآية والأحاديث ودعوى أن يرزقون وما بعده ترشيح تكلف لو ادعاها مدَّع ، ولاجملة خبر آخر مع أحياء ، أو نعت لأحياء ، أو حال من ضمير أحياء ، أو من الضمير فى عند إذا جعلنا عند متعلقا بمحذوف خبر ، أو حال ، أو نعت .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٦٢