وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ فَبِئۡسَ مَا یَشۡتَرُونَ١٨٧
الرسم الإملائيّ
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ
الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٥
تفسيرها
﴿ لَتُبْلَوُنّ ﴾ لتختبُّرن ﴿ فِي أَمْوَالِكُمْ ﴾ بالإنفاق في سبيل الله ، وبما يقع فيها من الآفات ، ﴿ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ بالقتل والأسر والجراح ، والفرائض البدنية الظاهرة والباطنة ، وما يرد عليها من أنواع العلل والمصائب والمخاوف ، ووسواس الشيطان ، ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يعني : اليهود والنصارى ، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً ﴾ كالطعن في الدين ، وصدّ من أراد الإيمان ، وتخطئة من آمن ، والسخرية والاستهزاء والهمز واللمز والاستخفاف ونحو ذلك . ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ على ما ابتليتم به وعلى المكافاة بمثل ما فعل فيكم ، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ مخالفة أمر الله ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ مرجو الأمور وواجباتها ، وقال عطاء : << من حقيقة الإيمان >> . خوطب المؤمنون بذلك ليعلمهم أن الدنيا ذات عيوب ، وليوطّنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها ، حتى إذا لقوها وهم مستعدُّون لا يرهقه من تصيبه الشدة منهم بغتة فينكرها . ثم بين لهم إيجاب التعليم إن أجنح إليه فقال :
﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ ﴾ فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ، ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الإعداد ؛ وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبنوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد ، من تسهيل على الظلمة وتطُّيب لنفوسهم ، والجر منفعة أو دفع مغرم أو لنحلِّ بالعلم ، وفي الحديث : << من كتم علما [عن] أهله ألجم بلجام من نار >> وذلك إذا احتج إليه ؛ وقيل : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا . ﴿ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٠
قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ وهذا ميثاق أخذ على العلماء من أهل الكتاب أن يبيّنوا للناس ما في كتابهم ، وفيه رسول الله والإِسلام . ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ وكتبوا كتباً بأيديهم فحرفوا كتاب الله ﴿ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ يعني ما كانوا يصيبون عليه من عرض الدنيا ﴿ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ إذ اشتروا النار بالجنة .
وذكر بعضهم قال : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم؛ من عَلِم علماً فليُعَلِّمه ، وإياكم وكتمان العلم .
ذكر عطاء قال : من سئل عن علم عنده فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار جهنم . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « مثل الذي يتعلم العلم ولا يحدّث به كمثل الذي يكنز ولا ينفق منه » .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٠
﴿ وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ ﴾ أى ما عهد إليهم فى التوراة ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ أى العلماء ﴿ لَتُبَيِّنَنَّهُ ﴾ أى الكتاب ، أى أحكام الكتاب وأخباره ، وهو التوراة والإنجيل ، فالهاء للكتاب فى قوله أوتوا الكتاب ، لا للنبى صلى الله عليه وسلم ، لأن رد الضمير إلى مذكور بلا تكلف ولا ضعف أولى ، ولأن التبيين والكتم والنبذ وراء الظهر ، واشتراء الثمن أنسب بالكتاب ، ولو قبلت التأويل مع الرد إليه صلى الله عليه وسلم ﴿ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ تأكيد لما قبله ، ذلك حكاية للخطاب الواقع فى وقت أخذ الميثاق ، وفى أخذ الميثاق معنى القول ، فالمعنى ، قال لهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، كقوله تعالى : « وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله ، وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ويجوز أن التبيين لألفاظ الكتاب بأن تقرأ وتشهر ، وفيها الدلالة على رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والكتمان لمعانيه بأن لا تفسر لجاهلها ، أو تحوف بالتأويل ، أو بزيادة تفسدها أو التبيين للمعنى والكتم للألفاظ ﴿ فَنَبَذُوهُ ﴾ أى الميثاق والكتاب ﴿ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ شبه ترك العمل بالميثاق أوالكتاب بإلقاء الشىء وراء الظهر احتقارا له ، والواجب عليهم جعلهم نصب عيونهم ﴿ وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ استبدلوا به الثمن القليل استبدال بائع ما باعه بثمن قليل ، تركوه وأخذوا بدله مالا حقيراً ، وجاهاً حقيراً ، فكلاهما ثمن قليل ، والتنكير للتحقير ، فإنه ولو عظم لكنه حقير قليل بالنسبة إلى ما تركوه من الدين ، ومن ثواب الآخرة إذ كتموهما لما يأخذونه من السفلة برياسة العلم ، ويلتحق بهم من كتم أحكام القرآن ، أو فسره بما ليس معنى له اتباعا لهواه من هذه الأمة ، بل هو أولى بالذم فهو من مفهوم الأولى ، لأن القرآن أفضل الكتب قال صلى الله عليه وسلم » من كتم علماً عن أهله ألجم الله بلجام من نار « ، وعن على : ما أخذ الله على الجاهل أن يتعلم حتى أخذ على العالم أن يعلم ، قال أبو هريرة : لولا ما أخذ الله على أهل اكتاب ما حدثتكم ، وقرأ ابوية ، وقال الحسن : لولا الميثاق الذى أخذ الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه ، وكان قتادة يقول : طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع ، هذا علم علما فنشره ، وهذا سمع خيراً فعل به ، قال الحسن بن عمارة قلت للزهرى ، حدثنى بعد أن ترك الحديث ، فقال : ألم تعلم أنى تركت الحديث؟ فقلت إما أن تحدثنى أو أحدثك؛ فقال حدثنى ، فقلت : حدثنى ابن عيينة عن نجم الخراز ، سمعت على بن أبى طالب يقول : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا ، فحجثنى الزهرى أربعين حديثا ﴿ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ بئس الثمن الذى يشترونه إذ أوردهم النار أو بئس شراؤهم ، والمخصوص محذوف أى هذا .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٠