سورة آل عمران · الآية ١٨٨ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ یَفۡرَحُونَ بِمَاۤ أَتَوا۟ وَّیُحِبُّونَ أَن یُحۡمَدُوا۟ بِمَا لَمۡ یَفۡعَلُوا۟ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةࣲ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ١٨٨
الرسم الإملائيّ

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 188]

﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ ﴾ فعلموا ، وقيل : أعطوا على قراءة : << آتوا >> ، ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ قيل : من النفاق من إذا مُدح بشيء ليس فيه فأعجبه ، ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ بمنجاة منه ، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ روي أن رسول الله  سأل اليهود عن شيء مما في التوراة ، فكتموا الحق وأخبروه بخلافه ، وأروه أنهم صدقوا واستحمدوا وفرحوا بما فعلوا ، فأطلع الله ورسوله على ذلك ، وسلاَّه بما أنزل من وعيدهم ، أي : لا تحسبنَّ اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدلِّيهم عليك ، ويُحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب ، وقيل : هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان الذي للمسلمين وتوصُّلهم بذلك إلى أغراضهم ، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة . وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ، ويحبُّ أن يحمده الناس بما ليس فيه ، ويروى عن النبي قال : << لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمده أحد على العمل لله >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨١

[سورة آل عمران — آية 188]

قوله : ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا ﴾ هم اليهود . قال الحسن : دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الإِسلام ، فصبروا على دينهم ، فخرجوا إلى الناس فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد ، فقالوا : آمنا به ووافقناه . فقال الله : ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا ﴾ ، يقول : فرحوا بما في أيديهم حين لم يوافقوا محمداً . ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ .

قال الكلبي : قالوا : نحن أهل الكتاب الأول ، وأهل العلم وأهل الصلاة والزكاة ، ولم يكونوا كذلك ، أحبّوا أن يحمدهم الناس وأن يطأوا أعقابهم بما لم يفعلوا .

وقال مجاهد : يفرحون بما أتوا ، أي : بما فعلوا من تبديلهم التوراة ، حرّفوها عن مواضعها ، ففرحوا بذلك ، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، يعني أن يُحمدوا على أن لهم علماً ، وليس عندهم علم بما حَرَّفوا ، إنما ابتدعوا من قِبل أنفسهم .

وذكر لنا أن يهود خيبر أتوا نبي الله فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به ، وأنهم يتابعونه ، وهم متمسكون بضلالتهم ، وأرادوا أن يحمدهم نبي الله بأمر لم يفعلوه .

ذكر بعضهم قال : من طلب والحديث ولم يحدّث به لم يرح ريح الجنة .

قوله : ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ ﴾ أي بمنجاة ﴿ مِّنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي موجع .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨١

[سورة آل عمران — آية 188]

﴿ لاَ تَحْسَبنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُوتَوْا ﴾ بما أتوه من الضلال والإضلال ، أى فعلوه من الإتيان ، وهو ثلاثى والخطاب فى قراءة لا تحسبن بالتاء الفوقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له ، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شىء مما فى التوراة فأخبروه بخلاف ما فيها ، ففرحوا بالغش ، وقد كانوا كتموا صفاته فى التوراة صلى الله عليه وسلم ، وتخلف قوم عن الغزو واعتذروا بأن التخلف مصلحة ، وطلبوا الحمد عليه ، وكان المنافقون يفرحون بنفاقهم ، ويستحمدون إلى المؤمنين بإيمان لم يفعلوه ، وذكر بعض أن أكثر المنافقين فى المدينة اليهود ، ونزلت الآية فى ذلك كله ﴿ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾ من الحق ، يحبون أن يحمدهم الرسول والصحابة والناس على فعل الحق مع أنهم لم يفعلوه ، بل بقوا على الضلال ، والمفعول الثانى محذوف ألا لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ناجين أو من أهل الجنة أو يخفى علينا أمرهم أو يفوتنا عذابهم وقوله ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنْهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ توكيد لما قبله وبمفازة مفعول ثان لتحسب الثانى ، ويجوز فى يحسب الأول بالياء أن يجعل مفعوله الأول محذوفا تقديره أنفسهم أولا تحسبنهم توكيد للاتحسبن الذين كفروا ، ولا مفعول له ثان ، وقوله بمفازة الفوز ، والنجاة وهو مصدر ميمى فيتعلق به من ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ بذلك التدليس والكفر ، وفى الآية وعيد لمن يحب أن يحمد بما لم يفعل من هذه الأمة أيضاً ولا يختص بأهل الكتاب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨١