سورة آل عمران · الآية ١٨٦ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
لَتُبۡلَوُنَّ فِیۤ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوۤا۟ أَذࣰى كَثِیرࣰاۚ وَإِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ١٨٦
الرسم الإملائيّ

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٤

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 186]

﴿ لَتُبْلَوُنّ ﴾ لتختبُّرن ﴿ فِي أَمْوَالِكُمْ ﴾ بالإنفاق في سبيل الله ، وبما يقع فيها من الآفات ، ﴿ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ بالقتل والأسر والجراح ، والفرائض البدنية الظاهرة والباطنة ، وما يرد عليها من أنواع العلل والمصائب والمخاوف ، ووسواس الشيطان ، ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يعني : اليهود والنصارى ، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً ﴾ كالطعن في الدين ، وصدّ من أراد الإيمان ، وتخطئة من آمن ، والسخرية والاستهزاء والهمز واللمز والاستخفاف ونحو ذلك . ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ ﴾ على ما ابتليتم به وعلى المكافاة بمثل ما فعل فيكم ، ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ مخالفة أمر الله ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ مرجو الأمور وواجباتها ، وقال عطاء : << من حقيقة الإيمان >> . خوطب المؤمنون بذلك ليعلمهم أن الدنيا ذات عيوب ، وليوطّنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها ، حتى إذا لقوها وهم مستعدُّون لا يرهقه من تصيبه الشدة منهم بغتة فينكرها . ثم بين لهم إيجاب التعليم إن أجنح إليه فقال :

﴿ وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ ﴾ فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ، ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الإعداد ؛ وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبنوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد ، من تسهيل على الظلمة وتطُّيب لنفوسهم ، والجر منفعة أو دفع مغرم أو لنحلِّ بالعلم ، وفي الحديث : << من كتم علما [عن] أهله ألجم بلجام من نار >> وذلك إذا احتج إليه ؛ وقيل : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا . ﴿ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٩

[سورة آل عمران — آية 186]

قوله : ﴿ لَتُبْلَوُنَّ ﴾ أي لتختبرن ﴿ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكَمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ أي مشركي العرب ﴿ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ . أي من حق الأمور .

ابتلاهم الله في أموالهم ، أي اختبرهم فيها ففرض عليهم حقوقاً ، وهو أن يجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وأن يؤتوا الزكاة وما فرض عليهم . ثم أخبرهم أنهم سيؤذون في جنب الله ، وأمرهم بالصبر .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٩

[سورة آل عمران — آية 186]

﴿ لَتُبْلُوَنَّ ﴾ أيها المؤمنون ، قيل والنبى ﴿ فِى أَمْوَالِكُمْ ﴾ والله لتعاملن معاملة المختبر فى أموالكم ، بإيجاب الإنفاق منها ، وإيجاب الصبر على الآفات فيها واقتصر بعض على هذا وضعفوه ، وربما تقوى بأن الواجب فى الأموال قد نزل وقبلوه ، وليس مستقبلا نزوله ﴿ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ بإيجاب الجهاد والصبر على موتاكم ، والآية والأسر ، والمرض ، والجوع ، والتعب ، والهموم ، والصبر على موتاكم ، والآية تسلية عما يأتى ليقابلوه بحسن الصبر بعد تسلية عما مضى ، لأن هجوم البلاء مما يزيد فى اللأواء ، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ، وقدم الأموال ترقيا من الشريف إلى الأشرف ، ولأن الآفات فيها أكثر ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَيْلِكُمْ ﴾ اليهود والنصارى والصائبين ﴿ وَمنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ كفار قريش وغيرهم من العرب ﴿ أَذىً كَثِيراً ﴾ كهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فى دينه ، وإغراء الكفرة على المسلمين ، والتشبب بنسائهم ، أخبرهم الله بأنه سيكون ذلك ليستعدوا له بالصبر ، ويسهل عليهم بعض سهولة ﴿ وَإن تَصْبِرُوا ﴾ على ما ذكر من البلاء فى أموالكم وأنفسكم والأذى ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ مخالفه أمر الله ونهيه أثابكم الله ما لا غاية له أو أحسنتم أو أصبتم ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ ﴾ أى لأن ذلك المذكور من الصبر والاتقاء ولابعد لعلو درجة الصبر والاتقاء أو لعدم ذكر المشار إليه تصريحا وأفرد الكاف لخطاب من يصلح ، أو للعموم البدلى بعد الشمولى ، أو للنبى صلى الله عليه وسلم خصوصا بعد العموم ، وإما أن يقال أفرد لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه فلا وجه له لبقاء الخطاب بلا مخاطب ﴿ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ أى من معزومات الأمور ، والعزم مصدر بمعنى اسم مفعول ، أى من الأمور المعزوم عليها ، أى التى يجب العزم عليها ، والعازم العبد أى يجب أن يقصدها ويصمم عليها ، أو الله ، أى أوجبها الله عليكم إيجابا شديدا ، يجوز أن يقال عزم الله على كذا ، وعزم كذا بمعنى أوجبه ، ومن ذلك قولهم عزمات الله وقراءة بعض ، فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء ، وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ، ورواية ، رغبنا فى قيام رمضان من غير عزيمة ، فلا دليل فيهم لإمكان العزم منه صلى الله عليه وسلم والصبر والاتقاء واجبان قبل نزول القتال وبعده ، فالقتال واجب مع الصبر والاتقاء فلا نسخ فى الآية ، بل أمره الله بالصبر على أذاهم بالقول والفعل والطعن ومداراتهم وتحريفهم عن تأويلهم الفاسد ، والصبر على قتالهم ، ومشاق القتال ، ركب صلى الله عليه وسلم وأردف أسامة خلفه على دابة فوقها قطيفة فدكيه ليعود سعد بن عبادة فى بنى الحارث ابن الخزرج ، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أُبى ، وفيه اليهود ، والمشركون ، والمسلمون ، وغشيهم عجاجة الدابة فخمر أنفه ، فقال : لا تغبّروا علينا ، فنزل صلى الله عليه وسلم فوعظهم ، ودعاهم إلى الله سبحانه ، وقرأ القرآن ، فقال ابن أُبى : أيها المرء لا أحسن مما تقول ، إن كان حقَّا فلا تؤذنا فى مجالسنا ، ارجع إلى رجلك فمن نحب ذلك ، فكاد القتال يقع ، واشتد النساب ، فما زال صلى الله عليه وسلم يسكتهم حتى سكتوا فلما دخل على سعد رضى الله عنه ذكر ذلك له ، فقال يا رسول الله اعف عنه ، جئنا ، وقد اصطلحوا أن يتوجوه ويعصبوه ، فزال ذلك بما جئتنا به ، فعفا عنه ، وكان كعب بن الأشرف اليهودى يهجو المؤمنين ، ويتشبب بنسائهم ، ويكفر به صلى الله عليه وسلم هو واليهود والمشركون ، ويشتد أذاه ، فقال صلى الله عليه وسلم : من بابن الأشرف؟ فقال محمد بن سلمة : أنا يا رسول الله ، فخرج هو وأبو نائلة رضيعه ، وجماعته فجاءوا برأسه آخر الليل ، وهو يصلى ، ونزلت الآية فى ذلك كله .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧٩