سورة آل عمران · الآية ١٩٠ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَایَٰتࣲ لِّأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ١٩٠
الرسم الإملائيّ

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ

الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 190]

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ ﴾ لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر ، ﴿ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ﴾ لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر ، فيرى أن العرض المحدث في الجوهر يدلُّ على حدوث الجواهر ، لأن كل جوهر لا ينفك عن عرض حادث ، وما لا يخلوا عن الحادث فهو حادث ثم حدوثها يدلُّ على محدثِها وحسنُ صنعها يدلُّ على علمه ، وإتقانه يدلُّ على حكمته ، وبقاؤه يدلُّ على قدرته . قال  : << ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٣

[سورة آل عمران — آية 190]

قوله : ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ ﴾ أي لذوي العقول وهم المؤمنون ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ يقولون : ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾ أي أن هذا سيصير إلى الميعاد . ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ ينزَّهون الله ﴿ فَقِنَا ﴾ أي : فاصرف عنا ﴿ عَذَابَ النَّارِ ﴾ .

قال الحسن : هذا دعاء علّمه الله المؤمنين يدعون به الله ، ويسألونه الجنة ، لأنه إذا وقاهم عذاب النار أدخلهم الجنة .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة عند عائشة فقال :

***********************

« يا عائشة ، دعيني أتعبد دعيني أتعبد لربي » فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ، ثم استاك ، ثم توضأ ثم صلّى ، ثم قعد يذكر الله ، ثم وضع جنبه فذكر الله ، أحسبه فعل ذلك ثلاث مرات ، فسألته عائشة ، فتلا هذه الآية ، ثم قال : « ذكرت الله قائماً وقاعداً وعلى جنبي ، فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها » .

وبعضهم قال : ﴿ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ ، يعني الصلاة المكتوبة ، إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فقاعداً ، وإذا لم يستطع قاعداً فعلى جنبه .

قال بعضهم : هذه حالاتك يا ابن آدم كلها : اذكر الله وأنت قائم ، فإن لم تستطع فاذكره وأنت جالس ، فإن لم تستطع فاذكره على جنبك ، يسراً من الله وتخفيفاً .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٣

[سورة آل عمران — آية 190]

﴿ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَأتِ وَالأَرْضِ ﴾ فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات ، ويملك أمر الخلق فبطل قولهم ، إن الله فقير ﴿ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يقبض ويبسط ، ويعاقب الكفرة ، قالت قريش لليهود : ما كان فيكم موسى؟ قالوا : له عصاة ويده بيضاء للناظرين ، وقالوا للنصارى : ما كان فيكم عيسى؟ قالوا : يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ، فقالوا له صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً ، فدعا ربه فنزل قوله تعالى :

﴿ إنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ ﴾ وما فيها من النيرات السبعة ، قال صلى الله عليه وسلم فى الآية هذه : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ، ورآه صلى الله عليه وسلم ابن عباس إذ بات عند خالته مسمونة ، قام فى نصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، فمسح النوم عن وجهه بيديه ، ثم قرأ العشر الأواخر من آل عمران ، وكذلك كان يقوم من الليل ، ويتسوك ، وينظر إلى السماء ، ويقرأ ، إن فى خلق السموات الآية ﴿ وَالأَرْضِ ﴾ وما فيها من مياه وأشجار وجبال ﴿ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ المجىء ، والذهاب ، والنور ، والظلمة ، والنقصان ، والزيادة فى غير يومى الاعتدال والحر والبرد يبرد الليل ويحر النهار احياناً والسموات والأرض ساكنات ، والكواكب والشمس والقمر متحركات فى أفلاك غير السموات ، أو فى غير أفلاك قال ابن العربى : كل سماء وأرض أكبر مما تحته وقبة عليه ﴿ لأَيَآتِ ﴾ دلائل على وجود الله وقدرته ومخالفته للخلق بصفاته وأقواله وأفعاله وذاته ، قال ابن عباس : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فنزلت هذه الآية ، والآيات والألباب من جموع القلة استعملا فى الكثرة ، إلا أن أل للحقيقة ، وحكمة آيات بصورة القلة الإشارى إلى أن ما خفى من الآيات كثير ﴿ لأُولِى الأَلْبَآبِ ﴾ العقول الخالصة ، وذكر الله ثلاثة دلائل ، سماويا بقوله السموات ، وأرضيا بقوله والأرض ، ومركبا منهما واختلاف الخ ، لأنه يتحقق الاختلاف بدوران الشمس على الأرض ، ولا قادر على ذلك إلا هو فعلمنا أنه هو الإله والمخلوقات متضادة طبعا كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة ، ومع ذلك جعلت كالمماثلات فى اتصال بعض ببعض الانتفاع ، فعلمنا أنه حكيم عليم لا إله إلا هو ، وأنه لا يعبث ، فخلق السموات والأرض لحكمة ، كاستلال الناس ومنافعهم ، ينادى يوم القيامة أين أولو الألباب ، فيقال : أيهم ، فيقال الذين يذكرون الله الخ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٣