ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَٰمࣰا وَقُعُودࣰا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلࣰا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ١٩١
الرسم الإملائيّ
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٥
تفسيرها
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ﴾ قيل : هذا في الصلاة قياما عند القدرة ، وقعودا – قاعدين – عند العجز عن القيام ، وعلى جنوبهم عند العجز عن القيام والقعود . ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ممل يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها ، وما دبر فيها – مما تكلُّ الأفهام عن إدراك بعض عجائبه – على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه . وقال : << لا عبادة كالتفكر >> ، وقيل : << الفكرة تذهب الغفلة ، وتحدث للقلب الخشية وما حلَّيت القلوب الأحزان ، ولا استنارت بمثل الفكر >> . ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ والمعنى : ما خلقته عبثا من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة ، من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ، ودليلاً يدُّله على معرفتك ، ويحثه على طاعتك ، لينال الحياة الأبدية ، والسعادة السرمدية إن أطاعك ، ويستحقُّ العقاب إن عصاك . ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل ، ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ كأنهم قالوا ما خلقت الخلق إلاَّ ليعبدوك ، ويوحدوك ثم ليعادوا للجزاء إما للثواب وإما للعقاب .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٤
قوله : ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ ﴾ أي لذوي العقول وهم المؤمنون ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ يقولون : ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾ أي أن هذا سيصير إلى الميعاد . ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ ينزَّهون الله ﴿ فَقِنَا ﴾ أي : فاصرف عنا ﴿ عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
قال الحسن : هذا دعاء علّمه الله المؤمنين يدعون به الله ، ويسألونه الجنة ، لأنه إذا وقاهم عذاب النار أدخلهم الجنة .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة عند عائشة فقال :
***********************
« يا عائشة ، دعيني أتعبد دعيني أتعبد لربي » فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ، ثم استاك ، ثم توضأ ثم صلّى ، ثم قعد يذكر الله ، ثم وضع جنبه فذكر الله ، أحسبه فعل ذلك ثلاث مرات ، فسألته عائشة ، فتلا هذه الآية ، ثم قال : « ذكرت الله قائماً وقاعداً وعلى جنبي ، فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها » .
وبعضهم قال : ﴿ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ ، يعني الصلاة المكتوبة ، إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فقاعداً ، وإذا لم يستطع قاعداً فعلى جنبه .
قال بعضهم : هذه حالاتك يا ابن آدم كلها : اذكر الله وأنت قائم ، فإن لم تستطع فاذكره وأنت جالس ، فإن لم تستطع فاذكره على جنبك ، يسراً من الله وتخفيفاً .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٤
﴿ الَّذِينَ يَذَكُرُونَ اللهَ قِيَأماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ هما جمعا قائم وقاعد ، أى قائمين وقاعدين ، وكائنين أو ممتدين ومضطجعين على جنوبهم اليمنى ، وهى أولى ، أو اليسرى ، ومثلها الظهور يستلقون لعيها ، ويجوز دخولها فى الجنوبن وعلى أن المراد بالجنوب الأطراف أو الجهات ، وكأنه قال ساقطين على الأرض ، والمذهب أن يمتد على يمينه ، وعليه الشافعى ، ودونه على يساره مستقبلا ، قال أبو حنيفة : على قفاه بحيث لو قعد لاستقبل . وعلى أن المراد إكثار الذكر على أى حال ، فكذر القيام والقعود الجنوب تمثيل لا تخصيص ، فدخل أيضاً السجود والركوع ، فإنه المتعارف ، وهو بين أن أنهم اغير داخلين فى القيام والقعود ، وقيل المراد بالذكر ذكر الله والمراد ما يشمل الصلاة وغيرها ، فتجوز صلاة النفل فى قعود أو اضطجاع للقادر على القيام ، وأما الفرض فلا إلا لغير القادر ، وفى الفرض جاء قوله صلى الله عليه وسلم لعمران ان حصين : « صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعى جنبك قومى ، إيماء » ، وفى النفل والقدرة جاء قوله صلى الله عليه وسلم : « صلاة الرجل قاعداً نصف صلاته قائماً ، وصلاته مضطجعاً نصف صلاته قاعداً ، ومن لم يقدر لم ينقص أجره إذا صلى على الترتيب ، فرضا أو نفلا ، ولابد من الاستقبال بوجهه وجسده ، وإن استلقى فبحيث يكون لو قعد لكان مستقبلا » ، وفى حديث ابن عمر ، فإن لم تستطع فعلى قفاك ، وعن ابن عباس يصلون بحسب الطاعة والذكر باللسان والقلب معاَ ، أو بالقلب وحده ، وأجمعوا أنه لا ثواب لذاكرغافل ، قلت ذلك على حسب طاقته مثل أن يستحضر قلبه فى الذكر ، ويفوته بعض آية أو يرها ضرورة فله ثواب ذلك ، ولو غفل عنه نيته وعدم قدرته ، وأرجو أكثر من ذلك أن يثاب على كل ما غفل عنه إذا نوى أن لا يغفل وجاهد نفسه فى الاستحضار ، وأما أن يهمل فلا وعد ابن جريح قراءة القرآن ذكراً ، فتجوز فى الاضطجاع وكرهها الشافعى إذا غطى رأسه للنوم ، وإنما خص الثلاثة فى الآية لأنها الغالب ، وذكر عبادة البدن بقوله يذكرون الله قياماً وقعوداً وعَلَى جنوبهم ، وعبادة القلب بقوله ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَألأَرْضِ ﴾ مصدر أى فى نفس الإيجاد أو بمعنى مفعول والإضافة على الأول للمفعول أى فى إنشائهما لما فيهما م العجائب وعلى الثانى بيانية ، أى فى المخلوق ، الذى هو السموات والأرض أو بمعنى فى أى وإنما يتفكرون فيما خلق فى السموات والأرض من أجزائهما وما حل فيهما ، وإنما يتفكرون استلالا عَلَى وجود الله وقدرته وحكمته ، قال صلى الله عليه وسلم : « تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق » ، أى لأنه لا يدرك بالتفكير فيه ، بل فى أفعاله ومخلوقاته ولأن التكفير فيه يؤدى إلى التشبيه ، وبعد ذلك ذكر الدعاء ، لأن الدعاء يستجاب بعد تقديم الوسيلة ، وهى إقامة وظائف العبودية من الذكر والفكر ، قال صلى الله عليه وسلم
« لا عبادة كالتفكير » ، وذلك لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق ، وعن ابن عباس ، تفكر ساعة خبر من قيام ليلة ، وكذا عن أبى الدرداء ، وأخرج الديلمى عن أنس مرفوعاً ، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : « تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة » ، قالت أم الدرداء : أفضل عبادة أبى الدرداء التفكير ، وروى الديلمى ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾ إلخ ، مفعول لحال محذوف ، أى قائلين ربنا ما خلقت هذا الخلق ، أى المخلوق او التفكر فيه ، والمعنى واحد ، وهو السموات والأرض وأنت باطل ذو عبث ، أو ما خلقت هذا خلقاً باطلا عن الحكمة بل خلقته لحكمة النفع لخلقك والاستدلال بها ، وحكمة الإشارة أن يستحضر المخلوق المذكور ، فإن الكلام على المستحضر آكد منه على الغائب ، كقوله تعالى : خلقاً باطلا والباطل ما لا فائدة فيه ، أو فيه فائدة لا يعتد بها أو ما لا يقصد به فائدة ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ عن البطالة ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ المستوجب له الإعراض عن آيات السماء والأرض كما دلت له الفاء ، قال صلى الله عليه وسلم : « بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم ، فقال أشهد أنك رب وخالق ، اللهم اغفر لى ، فنظر الله إليه فغفر له » ، وهذا دليل واضح على شرف علم الكلام ، والفاء للمعطف على سبحانك باعتبار سبحانك تسبيحا ، عطف إنشاء على إخبار متضمن للإنشاء أو على محذوف أى نطيعك فقنا ، أو وفقنا فقنا ، أو رابطة لجواب شرط محذوف ، أى إذا نزهناك أو وحدناك فقنا .
>
افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٤