سورة آل عمران · الآية ١٨٩ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ١٨٩
الرسم الإملائيّ

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

الجزء ٤الربع ٣٠ صفحة ٧٥

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 189]

﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ ﴾ فعلموا ، وقيل : أعطوا على قراءة : << آتوا >> ، ﴿ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ ﴾ قيل : من النفاق من إذا مُدح بشيء ليس فيه فأعجبه ، ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ بمنجاة منه ، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ روي أن رسول الله  سأل اليهود عن شيء مما في التوراة ، فكتموا الحق وأخبروه بخلافه ، وأروه أنهم صدقوا واستحمدوا وفرحوا بما فعلوا ، فأطلع الله ورسوله على ذلك ، وسلاَّه بما أنزل من وعيدهم ، أي : لا تحسبنَّ اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدلِّيهم عليك ، ويُحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب ، وقيل : هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان الذي للمسلمين وتوصُّلهم بذلك إلى أغراضهم ، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة . وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ، ويحبُّ أن يحمده الناس بما ليس فيه ، ويروى عن النبي قال : << لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمده أحد على العمل لله >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٢

[سورة آل عمران — آية 189]

قوله : ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُِولِي الأَلْبَابِ ﴾ أي لذوي العقول وهم المؤمنون ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ يقولون : ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً ﴾ أي أن هذا سيصير إلى الميعاد . ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ ينزَّهون الله ﴿ فَقِنَا ﴾ أي : فاصرف عنا ﴿ عَذَابَ النَّارِ ﴾ .

قال الحسن : هذا دعاء علّمه الله المؤمنين يدعون به الله ، ويسألونه الجنة ، لأنه إذا وقاهم عذاب النار أدخلهم الجنة .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة عند عائشة فقال :

***********************

« يا عائشة ، دعيني أتعبد دعيني أتعبد لربي » فخرج فنظر إلى السماء فتلا هذه الآية ، ثم استاك ، ثم توضأ ثم صلّى ، ثم قعد يذكر الله ، ثم وضع جنبه فذكر الله ، أحسبه فعل ذلك ثلاث مرات ، فسألته عائشة ، فتلا هذه الآية ، ثم قال : « ذكرت الله قائماً وقاعداً وعلى جنبي ، فويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتفكر فيها » .

وبعضهم قال : ﴿ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ ، يعني الصلاة المكتوبة ، إذا لم يستطع أن يصلي قائماً فقاعداً ، وإذا لم يستطع قاعداً فعلى جنبه .

قال بعضهم : هذه حالاتك يا ابن آدم كلها : اذكر الله وأنت قائم ، فإن لم تستطع فاذكره وأنت جالس ، فإن لم تستطع فاذكره على جنبك ، يسراً من الله وتخفيفاً .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٢

[سورة آل عمران — آية 189]

﴿ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَأتِ وَالأَرْضِ ﴾ فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات ، ويملك أمر الخلق فبطل قولهم ، إن الله فقير ﴿ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يقبض ويبسط ، ويعاقب الكفرة ، قالت قريش لليهود : ما كان فيكم موسى؟ قالوا : له عصاة ويده بيضاء للناظرين ، وقالوا للنصارى : ما كان فيكم عيسى؟ قالوا : يبرىء الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ، فقالوا له صلى الله عليه وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً ، فدعا ربه فنزل قوله تعالى :

﴿ إنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ ﴾ وما فيها من النيرات السبعة ، قال صلى الله عليه وسلم فى الآية هذه : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ، ورآه صلى الله عليه وسلم ابن عباس إذ بات عند خالته مسمونة ، قام فى نصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، فمسح النوم عن وجهه بيديه ، ثم قرأ العشر الأواخر من آل عمران ، وكذلك كان يقوم من الليل ، ويتسوك ، وينظر إلى السماء ، ويقرأ ، إن فى خلق السموات الآية ﴿ وَالأَرْضِ ﴾ وما فيها من مياه وأشجار وجبال ﴿ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ المجىء ، والذهاب ، والنور ، والظلمة ، والنقصان ، والزيادة فى غير يومى الاعتدال والحر والبرد يبرد الليل ويحر النهار احياناً والسموات والأرض ساكنات ، والكواكب والشمس والقمر متحركات فى أفلاك غير السموات ، أو فى غير أفلاك قال ابن العربى : كل سماء وأرض أكبر مما تحته وقبة عليه ﴿ لأَيَآتِ ﴾ دلائل على وجود الله وقدرته ومخالفته للخلق بصفاته وأقواله وأفعاله وذاته ، قال ابن عباس : سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فنزلت هذه الآية ، والآيات والألباب من جموع القلة استعملا فى الكثرة ، إلا أن أل للحقيقة ، وحكمة آيات بصورة القلة الإشارى إلى أن ما خفى من الآيات كثير ﴿ لأُولِى الأَلْبَآبِ ﴾ العقول الخالصة ، وذكر الله ثلاثة دلائل ، سماويا بقوله السموات ، وأرضيا بقوله والأرض ، ومركبا منهما واختلاف الخ ، لأنه يتحقق الاختلاف بدوران الشمس على الأرض ، ولا قادر على ذلك إلا هو فعلمنا أنه هو الإله والمخلوقات متضادة طبعا كالحر والبرد والرطوبة واليبوسة ، ومع ذلك جعلت كالمماثلات فى اتصال بعض ببعض الانتفاع ، فعلمنا أنه حكيم عليم لا إله إلا هو ، وأنه لا يعبث ، فخلق السموات والأرض لحكمة ، كاستلال الناس ومنافعهم ، ينادى يوم القيامة أين أولو الألباب ، فيقال : أيهم ، فيقال الذين يذكرون الله الخ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٨٢