سورة آل عمران · الآية ٢٨ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
لَّا یَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَیۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِی شَیۡءٍ إِلَّاۤ أَن تَتَّقُوا۟ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةࣰۗ وَیُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِیرُ٢٨
الرسم الإملائيّ

لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

الجزء ٣الربع ٢١ صفحة ٥٣

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 28]

﴿ لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء ﴾ نُهوا أن يوالوا الكافرين ، لقربة بينهم ﴿ مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني : أن لكم في موالاة المُؤمنين مندوحة ، أي : سعة عن موالاة الكافرين ، فلا تؤثروهم عليهم ، ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ ﴾ ومن يوالي الكفرة ، فليس من ولاية الله في شيء ، يعني : أنه منسلخ عن ولاية الله رأسا ، لأن موالاة الولي ، وموالاة عدوه متنافيان ، فلا تستحق من الله شيئا في الدنيا ولا في الآخرة ، إلاَّ الاستدراج في الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة ، وقيل : ليس من دين الله في شيء . ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ إلاَّ أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه ، وهذه رخصة في موالاتهم عند الخوف ، والمراد بهذه الموالاة : المخالفة الظاهرة ، والقلبُ مطمئنٌّ بالعداوة . ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ ﴾ أي : ذاته ، فلا تتعرضوا لسخطه بالمخالفة ، وهذا وعدٌ شديد . ﴿ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ﴾ أي : مصيركم إليه ، والعذاب مُعدٌّ لديه لمن خالــف .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢١

[سورة آل عمران — آية 28]

قوله : ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ﴾ [ يعني في النصيحة ] ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْْسَهُ ﴾ أي عقوبته .

وقال بعضهم : ويحذركم الله نفسه ، أي ويحذركم الله منه ، ويحذركم الله إياه . ﴿ وَإِلَى الله المَصِيرُ ﴾ .

قال بعضهم : تقيّة الرحم من المشركين ، من غير أن يتولوهم في دينهم ، إلا أن يصل الرجل رحماً له من المشركين .

وقال غيره : هذا رجل صار في أيدي المشركين فأعطاهم بلسانه ما ليس في قلبه حتى يجعل الله له مخرجاً .

ذكر أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يدعوه حتى سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر آلهتَهُم بخير ، [ ثم تركوه ] فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما وراءك؟ » قال : شر يا رسول الله ، والله ما تُرِكتُ حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير . « قال : فكيف تجد قلبك؟ » قال : أجده مطمئناً بالإِيمان « . قال : فإن عادوا فعد » .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢١

[سورة آل عمران — آية 28]

﴿ لاّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الْكَافرِينَ أَوْلِيآءَ ﴾ فى القلب ولا فى الخارج ، لقرابة أو صداقة جاهلية ، أو طمع فى مال أو جاه أو محافظة على مال أو مصاهرة ، أو طلب تزوج أو نحو ذلك ، وخوف أن تكون الدائرة على المؤمنين ، واستعانة بهم فى الغزو ، أو غير ذلك من أمور الدين وجعلهم عمالا ، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعية والمالكية والحنابلة ، وقالت الحنفية ونسب للجمهور ، أنه يجوز الاستعانة بهم فى الغزو وسائر أمور الدين بشرط الحاجة ، وأن يؤمن من مركهم وأن يكونوا أذلاء والمؤمنون أعزة ، لا يان يجعلوا عمالا ، ويعطى لهم قليل من الغنيمة إذا غروا ، ةلا يستعان بهم على البغاة الموحدين ، ولنا أنه جاء عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرج لبدر ، فتبعه مشرك ذو جرأة ونجدة ، ففرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبى : ارجع فلن نستعين بمشرك ، فرجع ، ثم جاء ورده ولم يقبله حتى أسلم ، وأجاب الحنفية بأن هذا لم يؤمن مكره ، أو بأن هذا الحكم منسوخ باستعانته صلى الله عليه وسلم بيهود بنى قينقاع ، ورضخ لهم ، يعنى قطع لهم من الغنيمة ، واستعان بصفوان بن أمية فى هوازن ، ويناسبه أنا نتخذ للكفار عبيداً وخدما وتنكح الكتابيات ﴿ مِن دُونِ الْمُؤْمِنينَ ﴾ لا شك أن اتخاذ الكافرين أولياء غير اتخاذ المؤمنين أولياء ، فنهوا عنه ، سواء اتخذوا معهم المؤمنين أولياء أم لا ، وأن تخاذهم أولياء ولو مع المؤمنين إبطال لموالاة المؤمنين ، ولا إشكال ولا حاجة إلى دعوى أن الآية فى قوم والوا الكفار وحدهم ، ومما يزول به الأشكال أيضا ، جعل الظرف نعتاً للأولياء ، وهذا يقيد أن الأحقاء بالموالاة المؤمنون ، وموالاة الكفار نقض لموالاة المؤمنين ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ الاتخاذ ، ولم يقل ، ومن يتخذ منهم أولياء اختصاراً واستهجاناً له ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِى شَىْءٍ ﴾ أى فى شىء من ولاية الله ، أو من دين الله ، أو من أهل الله ، لأنهم أعداء الله ، و لا تتصور موالاة المتعادين فى حال واحدة ، ومن اتخذ عدو الله وليَّا حرم ولاية الله والمؤمنين ﴿ إلاّ أَن تَتَّقُوا ﴾ عائد إلى لا يتخذ ، أى لا يتخذ فى حال من الأحوال إلا حال أن تتقولا ، أو بتعليل ، أى لا يتخذ لشىء ما إلا لأن تتقوا ، أو إلى فليس الخ ، وهو أولى لقربه ، وأولى من ذلك أن الاستثناء منقطع ، لأن الاتقاء ليس ولاية ، بل مداراة ، اللهم إى تشبيهاً ﴿ مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ اتقاء أو أمراً يحب اتقاؤه ، تدارونهم وتلاينونهم للخوف منهم باللسان حيث كانوا غالبين مع الإنكار بالقلب من غير أن يحل حراماً أو يحرم حلالا ، أو يدل على عورة ، ومن صبر ولم يتق فهو أولى أجراً ، ولا وجه لإنكار قوم التقية اليوم إذ تقرر الإسلام ، كان بعض المؤمنين يوادون اليهود باطناً كالحجاج بن عمرو وكهمس بن أبى الحقيق ، وقيس بن زيد وغيرهم من اليهود ، لعنهم الله ، أظهروا الحب لهم ليفتمنوهم ، فنهاهم رفاعة بن المنذر وعبدالله بن جبير وسعيد بن خيثمة أن يأمنوهم فأبوا ، وكان عبد الله بن أبىّ وأصحابه يوالوان المشركين واليهود ويخبرونهم بأخبار المؤمنين راجين الدائرة على المؤمنين ، وكان لعبادة بن الصامت رضى الله عنه حلفاء من اليهود ، فقال يوم الأحزاب ، يا رسول الله إن معى خمسمائة من اليهود ، قد رأيت أن أستظهر بهم على العدو ، فنزل قوله ، لا يتخذ المؤمنون الكافرين .

. . الآية ، وغلط ابن حجر فى أجازة القيام لأهل الذمة وفى عده ذلك من قوله تعالى : لا ينهاكم الله . . . الخ ، وأما الآية فى من يراد جلبه للإسلام ، أو كسر شوكته ، وفيما لا يدخلون به فى قلوب الناس شيئاً ، والتاء عن واو ، والأصل وقيمة ، قلبت الياء لفتح ما قبلها ، بوزن تخمة وتؤدة بضم أولهما وفتح ثانيهما ، وهو اسم مصدر ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ أى عقابه ، والنفس تشعر بالتعظيم ، لأنه لو قيل : عقاب الله لاحتمل أن يلى الله العقاب ، أو يجريه على يد مخلوق ، فذكر النفس ليكون بصورة عقاب يليه ، سواء بلا واسطة أو بها ، فهو عقاب عظيم ، واستأثر الله بعلمه ، وأيضاً قولك عقاب يصدر من نفس الله ولو بواسطة أهول من قولك عقاب الله ، وذلك جزاء من خالف أحكام الله ووالى أعداءه ، والنفس الذات ، أجازه قوم مطلقاً فى حيق الله تعالى ، وقيل لا إلا لمشاكلة ، نحو تعلم ما فى نفسى . . الخ وأجيز عود الهاء للاتخاذ ، وهو ضعيف ﴿ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ ﴾ للجزاء أو إلى جزاء الله المصير .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٢١