وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَٰكِرِینَ٥٤
الرسم الإملائيّ
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
الجزء ٣الربع ٢٣ صفحة ٥٧
تفسيرها
﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ أي : كفار بني إسرائيل الذين ، الذين أحس منهم الكفر . ﴿ وَمَكَرَ اللّهُ ﴾ أي : جازاهم على مكرهم ، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله إلاَّ على معنى الجزاء ، لأنه مذموم عند الخلق ، وعلى هذا الخداع والاستهزاء أقوى ؛ ﴿ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ أقوى المجازين ، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقـب .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٧
قوله : ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ المَاكِرِينَ ﴾ أي مكروا بقتل عيسى ، ومكر الله بهم فأهلكهم ، ورفع عيسى إليه ، فوصف كيف مكر بهم فقال : ﴿ إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ وهذه وفاة الرفع في قول الحسن فيما أحسب . وفيها تقديم ، أي : رافعك ومتوفيك بعدما تنزل . قال : ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي في النصر وفي الحجة ﴿ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ والذين اتبعوه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل دينه ، اتبعوا دين عيسى ، وصدّقوا به .
وقال بعضهم : هم أهل الإِسلام الذين اتبعوه على فطرته وملّته وسنّته ، ولا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة . وهو قوله : ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ ﴾ [ الأعراف : 167 ] أي : شدة العذاب ، وهي الجزية . وقال بعضهم : بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منه في ذلك إلى يوم القيامة .
قوله : ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ . قال الحسن : حكمه فيهم يوم القيامة أن يعذب الكافرين ويدخل المؤمنين الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٧
﴿ وَمَكَرُوا ﴾ حاول من أحس عيسى منهم الكفر إهلاكه باحتيال وخفاء ، بأن وكلوا من يقتله كذلك ، أو مكروا بقتله كذلك ، وكلهم قصدوا قتله بإيديهم ، لأنهم أمروا من يقتله بيده ﴿ وَمَكَرَ اللهُ ﴾ عاقبهم على مكرهم ، سمى عذابه مكرا للمشاكلة ، أو لأن عقابه مسبب مكرهم ، أو لازمة ، أو شبه فعله بهم بفعل الماكرين ، وأورده بطريق الاستعارة ، والله عز وجل منزه عن حقيقة المكر ، لأنه فعل العاجز ، ووجه الشبه الخفاء إذ آل أمرهم إلى قتال بينهم بسبب قتل قاصد قتله ، وإلى قتل قصد فقد يستعمل المكر فى حق الله تعالى بلا مشاكلة ، كقوله تعالى : ﴿ أفأمنوا مكر الله ، فلا يأمن مكر الله ﴾ على الاستعارة المفردة أو التمثيلية ، أو المشاكلة التقديرية ، بأن لوَّح إلى مكرهم وصرح بمكره ، كقوله تعالى : صيغة الله ، واختار بعض أنه جائز جاز فى حق الله بلا مشاكلة ، والأصل عدم التقدير ، وقال الفخرك جاء حقيقة ، على أنه إيصال الشر إلى الغير بخفاء ، أو أنه التدبير المحكم ووجه التجوز أنه يفسر بإيصال الشر ، ولو إلى الغير باحتيال ، والحيلة أعم ، لأنها لا تختص بالشر ، ولا يوصف الله تعالى بها لأنها عن عجز ﴿ واللهُ خَيْرُ ﴾ أعظم وأشد إضارار ، أو أقوى أو أعلم ﴿ المَاكِرِينَ ﴾ وهذا تهديد وهو نسب بالمقام ، بخلاف ما لو قلنا ، المعنى مكر الله أحسن ، لأنه وقع فى محله لا ظلم وأيضاً لاحسن فى مكرهم إلا بتكليف اعتبار حسن اللياقة فى المكر من غير عتبار حل وحرمة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٧