إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ فِیمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ٥٥
الرسم الإملائيّ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
الجزء ٣الربع ٢٣ صفحة ٥٧
تفسيرها
﴿ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ أي : مستوفي أجلك ؛ ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ، ومُميِّتك حتف أنفك ، لا قتلا بأيديهم ، ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ رافعك لطاعتي ، إلى درجة الكرامة ، ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي : من عملهم ، ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ بالحجَّة البالغة ؛ وعد من الله (لعله) لكلِّ مؤمن . ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٨
قوله : ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ المَاكِرِينَ ﴾ أي مكروا بقتل عيسى ، ومكر الله بهم فأهلكهم ، ورفع عيسى إليه ، فوصف كيف مكر بهم فقال : ﴿ إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ وهذه وفاة الرفع في قول الحسن فيما أحسب . وفيها تقديم ، أي : رافعك ومتوفيك بعدما تنزل . قال : ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي في النصر وفي الحجة ﴿ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ والذين اتبعوه محمد صلى الله عليه وسلم وأهل دينه ، اتبعوا دين عيسى ، وصدّقوا به .
وقال بعضهم : هم أهل الإِسلام الذين اتبعوه على فطرته وملّته وسنّته ، ولا يزالون ظاهرين على أهل الشرك إلى يوم القيامة . وهو قوله : ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ ﴾ [ الأعراف : 167 ] أي : شدة العذاب ، وهي الجزية . وقال بعضهم : بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منه في ذلك إلى يوم القيامة .
قوله : ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ . قال الحسن : حكمه فيهم يوم القيامة أن يعذب الكافرين ويدخل المؤمنين الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٨
﴿ إذْ قَالَ اللهُ ﴾ مكر الله إذ قال الله ، أو خير الماكرين إذ قال الله أو اذكر إذ قال الله ، أوقع ذلك إذ قال الله ، والأول أولى ، لأن ظهور مكره فى ذلك الوقت ، والوقت متسع ، ﴿ يَاعِيسَى إنِّى مُتَوَفِيَّكَ ﴾ مستوفى أجلك لا أنقص منه شيئاً ، فلا تموت إلا عند قرب الساعة أو متوفيك بعد سبع ساعات أو ثلاث ، وبه قالت النصارى ، أو بنوم كما روى أنه رفع نائما ، فسمى النوم موتا ، وليس رفعه نائما لئلا يخاف ، لأن الخوف بذلك غير شأن الأنبياء ، لا بقتلهم ، إذ لا يصلون إليك ، أو قابضك من الأرض ، أو مميتك عن الشهوات حتى تكون كالملائكة ، لا تأكل ولا تشرب ، وتقتصر على العبادة ، واختار القرطبى وغيره ، أنه أخذه بلا نوم ولا موت ، ﴿ وَرَافِعُكَ إِلىَّ ﴾ أى إلى محل كرامتى ومقر ملائكتى من الدنيا والقبض لا يلزم أن يكون إلى فوق ، فبينه إلى فوق ، وروى أنه نزل ومات ثم رفع ﴿ وَمُطَهِّركَ مِنَ الَّضِينَ كَفَرُوا ﴾ مبعدك من كفرهم لا ينالك ، ومن مضرتهم ومن سوء حوارهم ، وكل ذلك منهم كالنجسوالشىء الخبيث لما اجتمعوا على قتله ، بعث الله إليه جبريل ، فأدخله خوخة فى سقفها فرجة ، فرفعه الله من تلك الفرجة ، وأمر ملك اليهود رجلا فى أربعة آلاف ، آخذين باب الغرفة منهم ، يقال له ، مطيانوس ، أن يدخل الخوخة فيقتله فيها ، فلما دخلها لم ير عيسى ، وألقى الله شبه عيسى عليه ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه ، وقالو له ، أنت عيسى ، فقال : أنا صاحبكم الذى دلكم عليه ، وقد لهم عليه بثلاثين درهما ، فلم يلتفتوا إلى قوله ، ولما قتلوه قالوا وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا ، فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان صاحبنا فأين عيسى ، فوقع بينهم قتال : ﴿ وَجَعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ وهم اليهود الكافرون به ، خطاب لعيسى بأنه من آمن به يكون غالبا وقاهراً لنم كفر به بالحجة والسيف ، فالنصارى مطلقاً ، والمؤمنون من هذه الأمة ظاهرون على اليهود لن النصارة ، ولو كفروا بالنبى صلى الله عليه وسلم ، وكانوا من أهل النار ، هم متبعون لعيسى من حيث إنهم آمنوا بعيسى وأحبوه ، ولو كفر من كفر أيضاً يجعله إلها أو ابن الله ، تعالى الله عن قوله المبطلين ، وإذا كان يوم القيامة زاد ارتفاعا بدخول الجنة المؤمنون من هذه الأمة ، والمؤمنون بعيسى القائلون إنه بعد الله ورسوله إن لم يكفروا بالنبى صلى الله عليه وسلم ، ولا ملك لليهود ولا دولة ، والنصارة أشد مخالفة لعيسى ، ولم يرض ما هم عليه من الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبغيره ﴿ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُم ﴾ رجوعكم بالبعث ، ولا يشكل بقوله فى الدنيا ، لأنه ليس المراد إيقاع كل واحد من التعذيب فى الدنيا والتعذيب فى الآخرة ، وأحداثهما يوم القيامة بل أن مجموعهما يتم يوم القيامة ، أو نقول ، الرجوع أعم من الدنيوى والأخروى ، أو المراد بالدنيا والآخرة التأبيد لا حقيقة كل واحدة ، كأحد أوجه فى قوله تعالى : ما دامت السموات والأرض ، أو الترتيب بم ترق من كلام لآخر ، ويجوز أن يكون ذلك تفسيراً للحكم باعتبار المجموع ، فالترتيب باعتبار تعذيب الآخرة ، وأما تعذيب الدنيا فذكره لإظهار مزيد الغضب ، والله أعلم ، والخطاب لعيسى ومن معه ، ولمن كفر به على التغليب المخاطب على الغائب ، وكذا فى قوله ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ من أمر الدين ، بإدخال الجنة من آمن بعيسى عليه السلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعهما سلب الله عيسى شهوة الطعام والشراب والنوم وسائر الشهوات الإنسانية ، وكساه الريش وألبسه النور ، وأرسل إليه سحابة فرفته ، وتعلقت به أمه وبكت ، فقال لها : إن القيامة تجمعنا ، وذلك ليلة لاقدر ببيت المقدس ، وطار مع الملائكة ، فقالت اليعوبية والملكانية ، كان الله فينا ثم صعد إلى السماء ، وقالت النسطورية ، كان فينا ابن الله ، ثم رفعه ، وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله فرفعه الله ، وهم المسلمون المحقون من النصارى فقتلهم تلك الفرق الثلاث ، فانطمس الإسلام إلى أن بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، وبعد سبعة أيام من رفعه ، قال الله تعالى : اهبط إلى مريم فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن عليك أحد حزنها ، واجمع الحواريين ، وبثهم ى الأرض ، ودعاة إلى الله عز وجل ، فأهبطه الله ، فاشتعل الجبل نورا ، فجمعهم وبثهم فى الأرض ، فتلك الليلة تدخن فيها النصارة ، ولما أصبح الحواريون تكلم كل بلغة من أرسله عيسى إليهم ، وطلوعه ليلة القدر لا ينافى خصوصنا بها ، لأنها فى حقنا خير من ألف شهر ، ويجاب فيها إلى غير ذلك ، وعاشت أمه بعده أكثر من سبع سنين ، وقيل ، عاشت ست سنين ، فسرها اثنان وخمسون ، لأأنهما حملته بنت ثلاث عشرة سنة ، وفى الصحيحين أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا يقبل عن أهل الكتاب و المجوس إلا التوحيد ، أو يقتلهم ، ويقتل الدجال والخنزيرويحطم الصليب ، ويمكث سبع سنين ، وفى أبى داود أربعين ، ويدفن فى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم بعد غسل المسلمين إياه وصلاتهم عيه ، ويجمع بين الروايتين بأن عدد الأربعين عدد ما قبل الرفع ، وما بعد نزوله منه ، ويبعث أبو بكر وعرم بين نبيين .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٤٨