مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُؤۡتِیَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ یَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادࣰا لِّی مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِیِّۦنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ٧٩
الرسم الإملائيّ
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
الجزء ٣الربع ٢٤ صفحة ٦٠
تفسيرها
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ ﴾ ما يصح منه ذلك ، ولكن يصح منه أن يقول : ﴿ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ ﴾ أي : ولكن يقول : كونوا علماء حكماء ، والربانيين معلَّمين عاملين ، ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ بسبب كونهم عالمين ، وبسبب كونهم دارسين للعلم ، كانت الربَّانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله ، مسببة عن العلم والدارسة ؛ وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل ؛ فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنِّقه بمنظرها ، ولا تنفعه بثمرتها ؛ وقيل معنى يدرسون : يدرسونه على الناس ، كقوله : ( لتقرأه على الناس ) .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٢
قوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ الله وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : حرّفوه عن مواضعه وجعلوه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً .
وقال بعضهم : حرّفوا كتاب الله وابتدعوا فيه ، وزعموا أنه من عند الله ، ثم احتج عليهم بهذا لقولهم : إن عيسى يَنبغي أن يُعبَد ، وإنهم زعموا قَبِلوا ذلك من عند الله ، وهو في كتابهم زعموا الذي نزل من عند الله . فقال الله ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴾ كما آتى عيسى ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله ﴾ أي اعبدوني من دون الله ، يقول : لا يفعل ذلك من آتاه الله الكتاب والحكم والنبوءة ﴿ وَلَكِن ﴾ يقول لهم : ﴿ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾ أي علماء فقهاء في تفسير الحسن وغيره . وفي تفسير مجاهد : ولكن كونوا حكماء فقهاء ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ أي تقرأون .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٢
﴿ مَا كَانَ ﴾ ما صح ، أو ما استقام ، أو ما ثبت شرعا ولا عقلا ، والآية رد على من قال من المسلمين ، يا رسول الله ، دعنا نسجد لك ، لو أنا نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ، فقال : لو أمر بشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، ولا سجود إلا لله ، ولكن أكرموا نبيكم ، واعرفوا الحق لأهله ، ورد على نصارى نجران وغيرهم ، إذ قالوا ، إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربا ، وعلى النصارى واليهود إذ نهاهم صلى الله عليه وسلم عن عبادة عزير والمسيح والأحبار والرهبان ، فقالوا ، أنتخذك ربا ، أتريد ذلك ، والمتبرز فى ذلك أبو رافع القرظى من اليهود ، ورجل من نصارى العرب يلقب السيد النجرانى ، قال : يا محمد أتريد أن نجعلك ربا ، وقال : معاذ الله أن يعبد غير الله ، وأن نأمر بعبادة غير الله ، ورد على قريش إذ نهاهم عن عبادة الملائكة ، فقالواله مثل ذلك ، أو دعنا نفعل ، فقال ، ما كان ﴿ لِبَشَرٍ أَن ﴾ يجعله الله نبيا ، ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء وغيرهم ، بل يقتصر على الأمر بطاعة الله وعبادته ، فنفى اللياقة غير متسلط على قوله ﴿ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ ﴾ الآمر بالتوحيد ، والناهى عن الإشراك كالتوراة والإنجيل والقرآن وكل كتب الله لذلك ﴿ وَالحُكْمَ ﴾ الفهم للحكمة التى تكمل بها النفوس الموجبة لاعتقاد أن ما سوى الله مربوب ﴿ وَالنُّبُوَّةَ ﴾ التى هى أعلى المراتب الداعية إلى التوحيد والعبادة لله عز وجل والآداب ، بل متسلط على قوله ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاس كُونُوا عِباداً لِّى مِن دُونِ اللهِ ﴾ أى عبادا لى خاصة ، لا لله ، أو عبادا لى على الاستقلال ، أو عبادا لله على الاستقلال ، ولم يقل عبيداً لأنه لا يختص بالعبادة على الاستقلال ، بخلاف عباد ، لا يقال عباد زيد ، بل عبيده ، وثم لمجرد الترتيب ، أو على أصلها ، بمعنى أنه إذا كان لا يليق على مهلة فأولى ألا يليق بعدلة ، وقيل المعنى ، ما كان لبشر أن يؤتى النبوة ثم يترتب على ذلك أمره بعبادة نفسه ، ونهيه عن عبادة الملائكة والنبيين على استواء الكل فى عدم استحقاق العبادى ، ولم يقل ما كان لأحد بل لبشر إيذانا بأن البشرية تنافى المعبودية ﴿ وَلَكِن ﴾ كان لبشر أن يستقيم له شرعا وعقلا أن يقول ﴿ كُونُوا رَبَّانِييِنَ ﴾ وهذا أولى من العطف على يقول ، باعتبار أن معنى ما كان إله لا يقول للناس كونوا عباد لى من دون الله ، ولكن كونوا ربانيين ، كقولك ، لا تقل قام زيد لكن قعد عمرو ، أى لكن قل قعد عمرو ، والعاطف الواو ، وأولى من اعتبار أن المعنى لا يكونون قائلين لذلك ، ولكن كونوا ربانيين ، لأنه خلاف الظاهر ، والربانيون نسب للرب بزيادة الألف والنون شذوذا قياسا ، كالتحتانى والفوقانى واللحيانى والرقبانى ، لعظيم اللحية والرقبة ، والصمدانى والجسمانى والجماعى لعظيم الجملة ، ، ومعنى الربانى لاكامل علما وعملا ، أو سلما وحكمة ، أو نسب إلى ربان ، وربان وصف كشبعان ، فالنسب مبالغة ، كقولك فى أحمر أحمرى ، تريد أنه شديد الحمرة لا النسب إلى من هو أحمر ، فيكون النسب قياسا ، وزعم بعض أنه سريانى ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ ﴾ لكونكم تعلمون التوراة والإنجيل ، أو كليهما ﴿ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ وبكونكم تدرسونه وأن للحقيقة ، وفائدة العلم معرفة الحق والعمل به واعتقاده ، وأهل الكتاب يعرفون الحق ولا يعتقدونه ولا يعملون به ، فمن جمع علما ولم يجعله وسيلة إلى العمل اشبههم ، وكان كغارس شجرة معجبة ، لا ينتفع بثمرها ، والاعتقاد نسبة الخبر بالصدق باختياره والمعرفة أعم ، والدرس تكرير العلم لئلا ينسى ، والباء أن متعلقتان يكونوا ، ويجوز تعليقهما بربانيين ، وقدم العلم لفضله على الدرس ، ولأن علم كتاب الله أفضل من درس الفقه إن كان الدرس درس الفقه .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٢