سورة آل عمران · الآية ٨١ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ ٱلنَّبِیِّۦنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِیۖ قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِینَ٨١
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ

الجزء ٣الربع ٢٤ صفحة ٦٠

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 81]

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ ﴾ قيل : هو على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين ، وقيل : أولاد النبيين . ﴿ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ للكتاب الذي معكم ، ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ أي : الرسول ، وقيل : هو محمد  . ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ﴾ قبلتم عهدي ؟ وسمي إصرا لأنه مما يؤصر ، أي : يشدُّ ويعقل ، والإصر : العهد الثقيل . ﴿ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا ﴾ فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ وأنا على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين ، وهذا توكيد عليهم وتحذيرا من الرجوع ، إذا علموا بشاهدة الله عليهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٤

[سورة آل عمران — آية 81]

قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ قال بعضهم : أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ﴿ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ يعني محمداً عليه السلام ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ .

قال الحسن : هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء في محمد ، ما خلا محمداً فإنه لا نبي بعده ، ولكنه قد أخذ عليه أن يصدّق بالأنبياء كلهم ففعل . ف ﴿ قَالَ ءَأقْرَرْتُمْ ﴾ فأقروا بذلك كلهم ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ﴾ أي ميثاقي . وقال مجاهد وغيره : عهدي . ﴿ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ يقول الله : أنا شاهد معهم وعليم بما أعطوا من الميثاق والإِقرار . ﴿ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي فمن كفر بعد ذلك ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴾ .

قال بعضهم : هذا ميثاق أخذه الله على الأنبياء أن يصدّق بعضهم بعضاً ، وأن يبلّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده ، وأخذ ميثاق أهل الكتاب فيما بلّغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدّقوا به . فقال : ﴿ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ، أي بعد الميثاق والعهد ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٤

[سورة آل عمران — آية 81]

﴿ وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِيّنَ ﴾ أمرهم أن يعطوا الله الميثاق فى الإيمان بمحمد فأعطوه ، فأخذه منهم ، أو أخذه منهم بمعنى إلزامه إياهم الميثاق بالإيمان به صلى الله عليه وسلم ، فغذ لزمهم ذلك فأولى أن يلزمهم أممهم ، والعهد مع المتبوع عهد مع التابع أو أراد ميثاق النبيين وأممهم فحذف ، والأولى أولى ، لأن المفهوم أولى من المضمر إذا احتملا ، أو أراد الميثاق الذى وثقوه على أممهم ، أو ميثاق أولاد النبييين هم بنو إسرائيل ، ويبعد أنه سمى بنى إسرائيل أنبياء تهكما بهم ، غذ قالوا ، نحن أولى بالنبوة من محمد ، لأنا أهل كتاب والنبييون منا ، ونحن أبناء الله وأحباؤه وقد أئتمنهم على الإيمان به فكفروا ، فقال ، وإذ أخذ الله ميثاق هؤلاء النبيين ، كمن أئتمنه على شىء فجاز وادعى الوفاء أو لم يدعه ، فقلت له ، يا أمين ، ماذا صنعت بأمانتى ، وخرج أبو يعلى عن جابر بن عبيد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، فإما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه والله لو كان موسى حيّاً بين أظهرهم ما حل له إلا أن يتبعنى » ﴿ لَمَا ءَاتَيُْكُم ﴾ اللام للابتداء أو موطئة ، وما مبتدأ شرطية ، أو موصولة ، والرابط الهاء فى به عائدة لما ، لا لرسول ، وجملة لتؤمنن به مع القسم المقدر خبر أو جواب ، أى فوالله لتؤمنن به ، وجملة جواب القسم لا محل لها ، والقسم وجوابه محله الجزم أو الرفع ، وجملة لما الخ جواب ميثاق ، أو لتؤمنن به جواب قسم مقدر قبل لما ، أو جواب ميثاق أغنى عن الخبر ، أو عن جواب الشرط ، ورابط الشرط محوف ، أى آتينا كموهم ﴿ مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ مُّصَدِّقٌ لَّمَا مَعَكُمْ ﴾ هو ما آتاهم الله من كتاب وحكمة ، وجملة جاءكم رسول عطفت على الصلة ، ورابطها هو ما من قوله : لما معكم ، لأن الذى منهم فهو الذى آتاهم ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ أى بما آباكم ، والإيمان المصدق لما معكم على لاترتيب ، كقولك لئن جاء زيد بولده لتكرمنه ولتجعلنه من جملة أولادك أى تكرم زيداً وتجعل ولده كولدك ، أو لتنصرن ما آتاكم بالعمل له ، أو لتؤمنن بالرسول و لتنصرن ما آبيناكم ، كقولك ، لئن جاء زيد على فرس لأضيِّفنه وأعلفَنَّها ، ويجوز عود الهاءين للرسول ، وبقدر رابط الخبر ، أى لتؤمنن به فيه ، فهاء فيه لما آبيناكم ﴿ قَالَ ﴾ للنبيين ﴿ ءَأَقْرَرْتُمْ ﴾ بذلك ، والاستفهام تقرير ، والمراد حمل المخاطب على الإقرار ، ولذا أجابوا بأقررنا إنشاء ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ ﴾ أى الإيمان والنصر ﴿ إِصْرِى ﴾ أى عهدى على أممكم ، سمى إصراً لثقله ، أو لأنه يأصر أى يشد ، وكأنه قيل ، فماذا قالوا : فقال ﴿ قَالُوا أَقْرَرْنَا ﴾ وأخذنا على ذلك إصرى فحذف للمسلم به مما قبل ، قال سعيد بن جبير والحسن وطاوس أخذ الله الميثاق على كل نبى أن يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره بنفسه وقومه ، وإن لم يدركه أمر قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن أدركوه ، فيؤمن آدم بشيث ، وشيث بإدريس ، وإدريس بنوح إلى أن يؤمن موسى بعيسى ، وعيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ، ولو لم يعلمهم بأسماء من بعدهم ، وقال على وابن عباس وقتادة والسدى ، أخذ الميثاق عَلَى النبيين كلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم ، ويأمروا أقوامهم بالإيمان به ونصره ، يأخذوا العهد عن أقوامهم فى ذلك إن ادركوه ونصروه ﴿ قَالَ ﴾ الله ﴿ فَاشْهَدُوا ﴾ اعزموا بقلوبكم فاشهدوا عَلَى أنفسكم وأتباعكم بذلك ، أو ليشهد بعضكم عَلَى بعض ، فكل واحد شاهد ومشهود عليه ، أو فاشهدوا أيها الملائكة عَلَى الأنبياء وأممهم بالإقرار ، ولكن لم يجر للملائكة ذكرا ، أو اشهدوا أيها الأنبياء على أممكم ﴿ وَأَنَا مَعَكُم مَّن الشَّاهِدِينَ ﴾ عليكم وَعَلَى أممكم بإقرار ، وهذا تحذير عن النكث عظيم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧٤