سورة الروم · الآية ٦ من ٦٠

‹ السورة السابقة
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا یُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ٦
الرسم الإملائيّ

وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

الجزء ٢١الربع ١٦٢ صفحة ٤٠٥

تفسيرها

[سورة الروم — آية 6]

﴿الم ، غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ، وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ بإظهار دينه على سائر الأديان ، ﴿يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ أي: من وعده ، بنصر أوليائه ، ويخذل أعدائه ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعده ، لجهلهم ،وعدم تفكيرهم . ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: أمر معايشهم ، كيف يتجرون ويكتسبون ، ومتى يعرشون ويحصدون ، وكيف يبنون ، وكيف سبقوا علماء الآخرة بهذه الأحوال ، ولم يفهموا ما يخلصهم من عذاب الله ، لأنه لم يهمهم ، وكذلك لا يعلمون حقائق الدنيا ، ولا لما خلقت له ، ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي غايتها ، والمقصود منها ، ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ تقريرا لجهالتهم ، وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها ، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها ، وصفاتها ، وخصائصها ، وأفعالها ، وأسبابها ، وكيفية صدورها منها ، وكيفية التصرف فيها ، ولذلك نكر"ظاهرا" ، وأما باطنها ، فإنها مجاز إلى الآخرة ، ووصلة إلى نيلها ، وأنموذج لأحوالها ، وإشعارا بأنه لا فرق بين العدم والعلم الذي يختص بظاهر الدنيا ، وكان في المعنى: بقدر إقبالهم على علم ظاهر الحياة الدنيا ، إدبار منهم على علم الآخرة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٥

[سورة الروم — آية 6]

قوله : ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ أي : قد غلبتهم فارسُ ﴿ فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ أي : في أدنى الروم ، بأذرعات من الشام ، بها كانت الوقعة . فلما بلغ ذلك أهلَ مكة شَمِتوا أن غلب إخوانُهم أهلَ الكتاب . وكان المسلمون يعجبهم أن يظهر الروم على فارس ، لأن الروم أهلُ كتاب . وكان مشركو العرب يعجبهم أن يظهر المجوس على أهل الكتاب .

قال الله : ﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ يعني الروم ، من بعد ما غلبتهم فارسُ سيغلبون فارسَ . ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ ﴾ أن يهزم الروم ﴿ وَمِن بَعْدُ ﴾ ما هزمت . ﴿ وَيَوْمَئِذٍ ﴾ أي : يغلب الرومُ فارسَ ﴿ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .

قال أبو بكر للمشركين : لِمَ تَشْمَتون ، فوالله ليظهرن الروم على فارس إلى ثلاث سنين فقال أبي بن خلف : أنا أبايعك ألا تظهر الروم على فارس إلى ثلاث سنين . فتبايعا على خَطَر سبع من الإِبل . ثم رجع أبو بكر إلى النبي عليه السلام فأخبره . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اذهب فبايعهم إلى سبع سنين ، مُدَّ في الأجل وزِدْ في الخَطَر » .

ولم يكن حرم ذلك يومئذ؛ وإنما حرم القمار ، وهو الميسر ، والخمر بعد غزوة الأحزاب . فرجع أبو بكر إليهم فقال : اجعلوا الوقت إلى سبع سنين وأزيدكم في الخَطَر . ففعلوا ، فزاد في الخطر ثلاثاً فصارت عشراً من الإِبل ، وفي السنين أربعاً ، فكانت السنون سبعاً ، ووقع الخطر على يدي أبي بكر .

فلما مضت ثلاث سنين قال المشركون : قد مضى الوقت ، وقال المسلمون : هذا قولُ ربّنا ، وتبليغُ نبيّنا ، والبِضْع ما بين الثلاث إلى التسع ما لم يبلغ العشر ، والموعود كائن .

فلما كان تمام سبع سنين ظهرت الروم على فارس ، وكان الله وعد المؤمنين إذا غلبت الروم فارس أظهرهم الله على المشركين ، فظهرت الروم على فارس والمؤمنون على المشركين في يوم واحد ، وهو يوم بدر ، وفرح المسلمون بذلك وصدق الله قولهم وقول رسوله ، وهو قوله : ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ . قال : ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات كسرى فلا كسرى بعده وإذا مات قيصر فلا قيصر بعده . يعني ملك الروم بالشام » .

ذكروا عن عقبة بن نافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله عليكم وتقاتلون الدجال فيفتح الله عليكم » فكان عقبة بن نافع يحلف بالله لا يخرج الدجال حتى تفتح الروم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٥

[سورة الروم — آية 6]

﴿ وعْدَ الله ﴾ وعد الله ذلك وعدا ، فحذف المفعول والعامل ، واضيف المصدر الى الفاعل ﴿ لا يُخْلف الله وعْده ﴾ اراد ما يشمل الوعيد ، وما يعم الدنيا والاخرة ، واظهر لفظ الجلالة للتأكيد والايذان بان من هو اله لا يليق به اخلاف ما وعد من خير او شر ، فايقنوا ان سيكون الروم غالبين ﴿ ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلمُون ﴾ ومن يعلم الحق قليل ، فالاكثر لا يعلمون ان الله لا يخلف الوعد ، او لا يعلمون شيئا من الحجج او ليسوا من اهل العلم فلا يقدر له مفعول ، او كأنهم لا يعلمون شيئا ما ، وذلك كله لعدم استعمالهم عقولهم ، واستثنى بقوله .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤١٥