وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن یَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا یَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ حَمِیدࣱ١٢
الرسم الإملائيّ
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
الجزء ٢١الربع ١٦٤ صفحة ٤١٢
تفسيرها
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الحكمة في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية ، واستكمال الملكة التامة على الأفعال الفاضلة، على قدر طاقتها ، وكل من استكمل طاعةالله تعالى ، واجتنب كبائر ما نهي عنه ، فقد أوتي الحكمة ، وضده﴿من﴾ لم يبلغها ولم يؤتها ، وتعبر الحكمة بالعقل والعلم (لعله) والعمل والإصابة في الأمور. ومن حكمته أنه صحب داوود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها ، فلما أتمها لبسها ، وقال: نعم لبوس الحرب أنت ، فقال:" الصمت حكم ، وقليل فاعله " ، وأن داوود قال له يوما: كيف أصبحت ؟ فقال:" أصبحت في يد غيري" ، فتفكر داوود في نفسه فصعق .وأنه أمر أن يذبح شاة ، ويأتي بأطيب مضغتين منها ، فأتى باللسان والقلب ، ثم بعد أيام أمر﴿بأن﴾ يأتي بأخبث مضغتين منها ،فأتى بهما أيضا ، فسأله عن ذلك فقال:" هما أطيب شيء إذا طابا ، وأخبث شيء إذا خبثا " .
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ فإن إيتاء الحكمة في معنى القول ، ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة ، واستحقاق مزيدها ، ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ لا يحتاج إلى الشكر ، ﴿حَمِيدٌ﴾ حقيق بالحمد وإن لم يحمد ،ومحمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨١
قوله : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ ﴾ أي : الفقه والعقل . كان لقمان فقيهاً عالماً ولم يكن نبيّاً .
ذكروا أن لقمان الحكيم كان عبداً حبشياً نجاراً فأمره سيده أن يذبح له شاة؛ فذبح له شاة ، فقال له سيّده : اِيتنا بأطيبها مضغتين ، فجاءه باللسان والقلب . ثم أمره أن يذبح له شاة أخرى وأمره فقال : القِ أخبثها مضغتين ، فألقى اللسان والقلب . فقال له سيّده : أمرتك بأن تأتيني بأطيبها مضغتين ، فأتيتني باللسان والقلب ، ثم أمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب ، فقال له لقمان : إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا . قال : وكان ذلك أول ما عرف به من حكمته .
وقال مجاهد : ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ ﴾ أي : الفقه والعقل [ والإِصابة في القول في غير نبوّة ] .
قوله : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ﴾ النعمة . قال : ﴿ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ﴾ أي : لنفسه نفع ذلك ، والشكور هو المؤمن . ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ أي : ولم يشكر النعمة ﴿ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أى : غني عن خلقه ، حميد ، أي : استحمد إلى خلقه ، أي : استوجب عليهم أن يحمدوه .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨١
﴿ هذا ﴾ ما ذكر من السموات والارض والماء والنبات ﴿ خَلْق الله ﴾ مخلوقه ﴿ فأرونى ﴾ عطف انشاء على اخبار ، او اذا علمتم ذلك فأرونى اى اعلمونى لا اظهروا لى ، لان الاظهار ليس قلبيا فلا يتعلق بالاستفهام بعد ﴿ ماذا خَلَق الَّذين من دونه ﴾ اى الاصنام ، وجمع العقلاء مجاراة على مقتضى عمهم ، او تغليب للعقلاء ممن عبد من دون الله ، كالملائكة وعزيز وعيسى ، وماذا اسم واحد مفعول لخلق ، وجملة خلق الذين معلق عنها اروا بالاستفهام ، او ما مبتدأ وذا خبر او العكس ، وخلق صلة ذا ، وهو اسم موصول ، والجملة معلق عنها ، واجاز بمضى ان ماذا اسم واحد موصول بجملة خلق ، الذين مفعول ثان ، وهو سهو لخروجه عن الصدر ، وهو مفرد ولا جملة معلق عنها .
﴿ بل الظالمون ﴾ مطلقا فيدخل هؤلاء بالاولى ، او هم المراد وضعا للظاهر موضع المضمر ليذمهم باسم الظلم ، ويزجرهم وغيرهم بذكره ﴿ فى ضلال مُبينٍ لقد آتينا ﴾ اعطيا بالهام او بوحى او بتعلم ﴿ لقمان الحكمة ﴾ لفظ عجمى ، وقيل عربى من لقم ، لان العرب قد تسمى بأسماء وغيرها ، وغيرها قد يسمون باسمائها قدا اليها ، ولعاد لقمان الاخر ، وهم عرب ، فهو من اللقم فليكن الذى فى السورة كذلك ، وهو لقمان بن باعوراء ابن ناحور بن تارخ ، وهو آزر فهو من اولاد آزر ، وقيل ، ابن اخت ايوب عند وهب ، او ابن خالته ، وبه قال مقاتل .
وقال السهيلى : ابن ين سرون ، عاش الف سنة ، وادرك داود عليه السلام ، واخذ منه العلم ، وكان يفتى ، ولما بعث داود عليه السلام ترك الافتاء فقيل له ، فقال : الا اكتفى اذا كفيت ، وكان قاضيا فى بنى اسرائيل ، وروى انه نودى فى نومه نصف الليل : هل لك يا لقمان ان اجعلك خليفة للحكم بين الناس؟ فقال : ان خيرنى ربى قبلت العافية ، وان عزم على فسمعا وطاعة ، وانى اعلم ان الله تعالى يسددنى ، فقالت الملائكة : لم امتنعت من الحكم؟ قال : لان الحاكم يغشاه الظلم من كل مكان ، فيخطأ طريق الجنة ، ومن اختار شرف الدنيا فاته شرفها وشرف الآخرة ، وعجبوا من كلامه ، ونام نومة فأصبح ينطق بالحكمة ، ونودى داود بعده فقبلها فأخطأ مرارا ، وعفا الله تعالى عنه .
وقيل : كان بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ، والاكثر انه كان فى زمان داود عليه السلام ، وليس نبينا خلافا لعكرمة والشعبى ، والاكثرون انه عبد ، والعبد لا يكون نبيا ، فعن ابن عباس : عبد حبشى ، واخرج ابن مردويه ، عن ابى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « انه عبد حبشى » وعن جابر بن عبدالله : انه من النوبة ، وعن سعيد بن المسيب : انه من سودان مصر ، قال خالد بن الربيع : كان نجارا بالراء المهلة ، وقال الزجاج : كان نجادا بالدال المهلة ، وهو من يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما ، وقيل : خياط ، وهو اعم وبه قال ابن المسيب ، وقيل : عبد لبلخشخاش يرعى الغنم : وعن ابن عباس : كان راعيا ، وقيل : حطابا يتحطب كل يوم حزمة لمولاه .
والحكمة : العقل والفهم والاصابة فى القول ، وعن ابن عباس : العقل والفهم والفطنة ، وقيل : معرفة الموجودات ، وفعل الخيرات ، وقيل : توفيق العمل بالعلم ، وقيل : حصول العمل على وفق المعلوم ، وهذا شامل لحكمة الله وحكمة المخلوق ، وقيل : الكلام الذي يتعظ به ، وينقل لذلك ، وقيل : إتقان الشئ علما وعملا ، وقيل : كمال حاصل ياستكمال النفس الانسانية ، باقتباس العلوم النظرية ، واكتساب الملكة التامة على الافعال الفاضلة ، على قدر طاقتها ، وقيل : شئ ينور الله عز وجل به القلب ، كما ينور البصر ، فيدرك المبصر ، وقيل : معرفة حقائق الاشياء على ما هى عليه بقدر الطاقة البشرية .
ومن حكمة لقمان : من يصحب صاحب السوء لم يسلم ، ومن يدخل مدخل السوء يتهم ، ومن لا يملك لسانه يندم ، وقد روى هذا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ ، وهو موافق ، ايضا لقوله تعال : ﴿ ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره ﴾ ﴿ أن أشْكُر لله ﴾ ان تفسيرية لقول : ﴿ آتينا لقمان الحكمة ﴾ واعتقاد وجوب شكر الله ، والامر به حكمة لا مصدرية ، بتقديم لام العلة ، او بجعل المصدر بدلا من الحكمة ، لانه خرج للامر يعال به الايتاء كما مر تحقيقه ، وحكاية سيبويه كتب اليه بان قم شاذة ضعيفة لا يخرج عليها القرآن مع انها ايضا تحتمل ان المراد كتب اليه بهذه الحروف ، او بهذا اللفظ بعد تقدم ما فيه معنى القول ، فهى تفسيرية .
﴿ ومَن يَشْكر ﴾ له سبحانه ﴿ فإنما يشْكُر لنَفْسه ﴾ لان شكره يثبت له الموجود ، وينفى عنه عقاب عدم شكره ، ويجلب المفقود والفوز بالجنة ﴿ ومَن كَفَر ﴾ فما ضر الا نفسه ، او فما منع النفع الا عن نفسه ، او فانما يكفر عن نفسه ، واغنى عن هذا الجواب تعليله لقلوله : ﴿ فان الله غنىٌ ﴾ عن ازالة الضر ، او جلب النفع ، لانه خالق للاضرار والمنافع ﴿ حَميدٌ ﴾ اى حقيق بان يحمده خلقه ، ولو لم يحمده احد ، او محمود عند الملائكة والمؤمنين من الثقلين ، وعند الاجسام كلها ، ولو لم تحمده قلوب الكفار ، واستعملوا اجسادهم الحامدة فى الكفر ، ولم يذكر الشكر مع انه مذكور ، قيل : بل ذكر الحمد لتضمنه الشكر ، وهو راسه .
قال صلى الله عليه وسلم : « الحمد راس الشكر ، لم يشكر الله تعالى عبد لم يحمده » وإنما قال : ﴿ ومن كفر ﴾ بصيغة الماضى ، ولم يقل : ومن يكفر اشارة الى قبح الكفر ، وان من شأنه ان لا يقع منه الا ما مضى منه من ابليس ، او قابيل او نحوهما ، وقيل : اشارة الى انه كثير متحقق ، بخلاف الشكر ، وقليل من عبادى الشكور على الفرق بين الحمد والشكر ، او على الشكر ولو تضمنه الحمد لكنه قد يقع بلا شكر .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٨١