سورة لقمان · الآية ٢٧ من ٣٤

‹ السورة السابقة
وَلَوۡ أَنَّمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمࣱ وَٱلۡبَحۡرُ یَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرࣲ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ٢٧
الرسم الإملائيّ

وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

الجزء ٢١الربع ١٦٥ صفحة ٤١٣

تفسيرها

[سورة لقمان — آية 27]

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ ولو ثبت كون الأشجار أقلاما ، ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ تكتبها تلك الأقلام وبذلك المداد ، وإيثار جمع القلة ، للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير ؟ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء ، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج عن علمه وحكمه أمر . والآية – قيل – جواب لليهود ، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله:﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾، ولقد أنزل التوارة وفيها علم كل شيء.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٩٦

[سورة لقمان — آية 27]

قوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله ﴾ يقول : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ليكتب بها علم الله ، أي : علمه بما خلق ، والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر يستمد منه للأقلام ليكتب بها علم ذلك ، ما نفدت كلمات الله ، لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحار ، ولمات الكُتَّاب وما نفدت كلمات الله ، أي : علمه بما خلق .

ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال : إن تحت بحركم هذا بحراً من نار ، وتحته بحر من ماء ، وتحته بحر من نار ، وتحته بحر من ماء ، حتى عدّ سبعة أبحر من ماء ، وسبعة أبحر من نار . قال : ﴿ إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٩٦

[سورة لقمان — آية 27]

﴿ ولو أنَّمَا فى الأرض من شَجَرة أقلام ﴾ المصدر فاعل لثبت محذوفا وهو مصدر من خارج ، اذ ليس فى خبر ان ، بل يجاء بالكون او بالنسب المفيد معنى الكون من خبرها ، اى لو ثبت كون ما فى الارض اقلاما ، وأقلاما خبر الكون فى التأويل ، وخبر ان قبل التأويل ، او لو ثبتت قلمية ما فى الارض ، وذلك انه لا بد للمؤمن فعل ، ولا بد من التأويل بالمصدر مع ان المفتوحة ، وقال سيبويه : لا يقدر الفعل المصدر مبتدأ بلا خبر : او وجود المسند اليه قبل التأويل ، وقدر بعضهم خبره قبله ، وبعض بعده ، وفى الآية مجئ خبر ان بعد لو اسما كقوله :

ولو انها عصفورة لحسبتها … مسومة تدعو عبيدا وأزنما

وقوله :

ما أطيب العيش لو ان الفتى حجر … تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

لا كما قال الزمخشرى : من منع ذلك غفلة منه اذ لم يقل : انما يكون الخبر بعدها اسما جاهدا ، او فعلا لا اسما مشتقا فلا يجاب عنه بانه اراد لا يكون فعلا اذا لك يكن اسما مشتقا ، ثم انه اذا لم فعلا فهب انه اسم جامد او مشتق ، ومن معلق بمحذوف حال من المستتر فى قوله : فى الارض ، وشجرة نكرة عامة فى الاثبات ، كقوله تعالى : ﴿ علمت نفس ﴾ ومن الجائز تقدير مضاف عام فى ذلك ونحوه ، اى علمت كل نفس ، ومن كل شجرة واسم الشرط يعم : مع انه نكرة فى الاثبات شبهه بالنفى ، وهنا قوى جانب العموم بلو ، لانها حرف شرط ، وحكمة افراد شجرة وتنكيرها دفع ما يتوهم لو جمعت من التوزيع ، بان كل شجرة على حدة قلم ، ليس ذلك مرادا ، بل المراد ان كل عود من كل شجرة ولو دق قلم ، والعود الغليظ او الطويل تكون منه اقلام متعددة ، كاقلام التى عهدناها مع انها يقدر لها البرى الى حد ما يمكن ايضا .

﴿ والبَحْر ﴾ المحيط ، وأل للعهد لانه المتبادر ، والفرد الكامل ، واجيز ارادة الجنس او الاستغراق والعهد ، او الاستغراق اولى من الجنس ، وذلك ان اريد الجنس جاز ان يراد غير المحيط والمقام للمبالغة ﴿ يمدُّه ﴾ يصير مدادا لما فى الدنيا من الاشجار الواقع كل عود منها قلما على حد ما ذكرت آنفا ، والمد الزيادة اى تضم الى الاقلام ، ومد الدواة زاد فيها ما يكتب به من المداد الاسود او الاحمر او الاخضر او غير ذلك ، وجملة البحر يمده حال من المستتر فى قوله : ﴿ فى الارض ﴾ ولو فصل بينهما ﴿ من بَعْده سَبْعة أبْحر ﴾ حال من المستتر فى يمد ، والمراد بسبعة أبحر : مفروضة كل واحد كالمحيط ، او كل واحد كالبحور الموجودة كلها ، على جعل أل للاستغراق .

روى الطبرانى ، وابن المنذر ، عن ابن عباس : انه خلق الله تعالى من وراء هذه الارض بحرا محيطا بها ، ومن وراء ذلك جبلا محيطا بها يقال له قاف ، وخلق من وراء ذلك الجبل ارضا مثل تلك الارض سبع مرات ، خلق من وراء بحرا محيطا بها ، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء مترفرفة عليه ، حتى عد سبع ارضين ، وسبعة ابحر ، وسبعة اجبل ، وذلك قوله تعالى : ﴿ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ﴾ والله اعلم بصحة ذلك ، والله تعالى قادر على ما لا يحصى من ذلك ، وهب انه ذكر كعب الاحبار رضى الله عنه ، لكن لعله اخذه من كتب الاسرائليين ، وهو فى نفسه ثقة ، ويبحث بانه اذا كان ثقة لم يرو الا ما صح ، فيجاب بانه رواه ظانا انه صحيح ، مع انه ليس مما يقطع فيه العذر .

والمراد بالسبعة تكثير العدد ولو آلاف بحر من بعده ، وخصت لانها عدد تام كما ذكرته فى سورة البقرة ، وشرح القلثادى وكثير من المعدودات التى لها شأن ، سبع كسبع سموات ، وسبع ارضين ، والكواكب السيارة ، والاقاليم والايام ، ومقتضى الظاهر ، والبحر مداد بنصب البحر كما قال : ﴿ ان ما فى الارض من شجرة أقلام ﴾ لكن قال : ﴿ والبحر يمده ﴾ لان يمده يغنى عن ذكر المداد ويزيد عليه بالاستمرار التجددى تصريحا ، كما هو المراد بصيغة المضارع ، اى لا يزال يصب فيه ، وليس هذا فى لفظ مداد .

﴿ ما نَفِذَت ﴾ انقضت ﴿ كلمات الله ﴾ ان كتبت بتلك الاقلام وتلك البحور ، وحذف هذا الشرط ، وان شئت فقدر من بعده سبعة أبحر ، وكتب بتلك الاقلام ، وبذلك المراد كلمات الله ما نفدت كلمات الله او علمه ، قال اليهود بعد هجرته صلى الله عليه وسلم ، على ان الآية مدنية او امرو قريشا بالقول : تزعم يا محمد انا لم لم نؤت من العلم الا قليلا ﴿ قل الروح من امر ربى وما اوتيتم من العلم الاقليلا ﴾ وقد اوتينا التوراة وهى الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة قد أوتى خيرا كثيرا ﴾ فنزل : ﴿ ولو ان ما فى الارض شجرة ﴾ الخ ، فكثيركم قليل بالنسبة الى سعة علمه تعالى .

وروى انهم قالوا : من عنيت بقولك : ﴿ وما أوتيتم من العلم الا قليلا ﴾ إيانا او قومك؟ فقال : ﴿ كلاَّ عنيت ﴾ فقالوا : ألست تتلوا انا اوتينا التوراة وفيها علم كل شئ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « هى فى علم الله قليل » فقالوا : ألست تعلو : ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم : « هذا علم قليل وخير كثير » فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ ولو ان ما فى الارض ﴾ الخ ، وروى ان المشركين قالوا : ان هذا كلام يوشك ان ينفد ، فأنزل الله : ( ولو ان ما الارض ) وقيل : كلماته مقدوراته من اطلاق اسم السبب على المسبب ، إذ يقول لشئ : كن فيكون ، واختار كلمات وهو جمع قلة على كلم الله ، وهو جمع كثرة تلويحا بان كلماته لا تفى بها البحار والشجر فكيف بكلمة ﴿ إنَّ الله عزيزٌ حَكيمٌ ما خلقكم ولا يعْثُكم إلا كنَفس واحدة ﴾ وكذا الخلق كله فى السهولة لكمال قدرته ، وعدم احتياجه الى آلة او كسب ﴿ إنَّ الله سَميعٌ ﴾ عليم بكل صوت ﴿ بَصيرٌ ﴾ عليم بكل شئ من المبصرات ، او بكل شئ ، وقد علم قريش ذلك ، وانما كانوا يقولون اذا أرادو الطعن فى الدين : اسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد حمقا وعنادا ، وفيه نزل :

﴿ وأسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور ﴾ وقيل : نزلت الآية فى أبى بن خلف ونبيه ومنبه ابنى الحجاج وغيرهم من قريش اذ قالوا : ان الله خلقنا نطفا وعلقا ومضغا ، فكيف يبعثنا خلقا جديدا فى ساعة واحدة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٤٩٦