سورة لقمان
الجزء لقمان · صفحة ٠﴿ ولو أنَّمَا فى الأرض من شَجَرة أقلام ﴾ المصدر فاعل لثبت محذوفا وهو مصدر من خارج ، اذ ليس فى خبر ان ، بل يجاء بالكون او بالنسب المفيد معنى الكون من خبرها ، اى لو ثبت كون ما فى الارض اقلاما ، وأقلاما خبر الكون فى التأويل ، وخبر ان قبل التأويل ، او لو ثبتت قلمية ما فى الارض ، وذلك انه لا بد للمؤمن فعل ، ولا بد من التأويل بالمصدر مع ان المفتوحة ، وقال سيبويه : لا يقدر الفعل المصدر مبتدأ بلا خبر : او وجود المسند اليه قبل التأويل ، وقدر بعضهم خبره قبله ، وبعض بعده ، وفى الآية مجئ خبر ان بعد لو اسما كقوله :
ولو انها عصفورة لحسبتها … مسومة تدعو عبيدا وأزنما
وقوله :
ما أطيب العيش لو ان الفتى حجر … تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
لا كما قال الزمخشرى : من منع ذلك غفلة منه اذ لم يقل : انما يكون الخبر بعدها اسما جاهدا ، او فعلا لا اسما مشتقا فلا يجاب عنه بانه اراد لا يكون فعلا اذا لك يكن اسما مشتقا ، ثم انه اذا لم فعلا فهب انه اسم جامد او مشتق ، ومن معلق بمحذوف حال من المستتر فى قوله : فى الارض ، وشجرة نكرة عامة فى الاثبات ، كقوله تعالى : ﴿ علمت نفس ﴾ ومن الجائز تقدير مضاف عام فى ذلك ونحوه ، اى علمت كل نفس ، ومن كل شجرة واسم الشرط يعم : مع انه نكرة فى الاثبات شبهه بالنفى ، وهنا قوى جانب العموم بلو ، لانها حرف شرط ، وحكمة افراد شجرة وتنكيرها دفع ما يتوهم لو جمعت من التوزيع ، بان كل شجرة على حدة قلم ، ليس ذلك مرادا ، بل المراد ان كل عود من كل شجرة ولو دق قلم ، والعود الغليظ او الطويل تكون منه اقلام متعددة ، كاقلام التى عهدناها مع انها يقدر لها البرى الى حد ما يمكن ايضا .
﴿ والبَحْر ﴾ المحيط ، وأل للعهد لانه المتبادر ، والفرد الكامل ، واجيز ارادة الجنس او الاستغراق والعهد ، او الاستغراق اولى من الجنس ، وذلك ان اريد الجنس جاز ان يراد غير المحيط والمقام للمبالغة ﴿ يمدُّه ﴾ يصير مدادا لما فى الدنيا من الاشجار الواقع كل عود منها قلما على حد ما ذكرت آنفا ، والمد الزيادة اى تضم الى الاقلام ، ومد الدواة زاد فيها ما يكتب به من المداد الاسود او الاحمر او الاخضر او غير ذلك ، وجملة البحر يمده حال من المستتر فى قوله : ﴿ فى الارض ﴾ ولو فصل بينهما ﴿ من بَعْده سَبْعة أبْحر ﴾ حال من المستتر فى يمد ، والمراد بسبعة أبحر : مفروضة كل واحد كالمحيط ، او كل واحد كالبحور الموجودة كلها ، على جعل أل للاستغراق .
روى الطبرانى ، وابن المنذر ، عن ابن عباس : انه خلق الله تعالى من وراء هذه الارض بحرا محيطا بها ، ومن وراء ذلك جبلا محيطا بها يقال له قاف ، وخلق من وراء ذلك الجبل ارضا مثل تلك الارض سبع مرات ، خلق من وراء بحرا محيطا بها ، ثم خلق وراء ذلك جبلا يقال له قاف السماء مترفرفة عليه ، حتى عد سبع ارضين ، وسبعة ابحر ، وسبعة اجبل ، وذلك قوله تعالى : ﴿ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ﴾ والله اعلم بصحة ذلك ، والله تعالى قادر على ما لا يحصى من ذلك ، وهب انه ذكر كعب الاحبار رضى الله عنه ، لكن لعله اخذه من كتب الاسرائليين ، وهو فى نفسه ثقة ، ويبحث بانه اذا كان ثقة لم يرو الا ما صح ، فيجاب بانه رواه ظانا انه صحيح ، مع انه ليس مما يقطع فيه العذر .
والمراد بالسبعة تكثير العدد ولو آلاف بحر من بعده ، وخصت لانها عدد تام كما ذكرته فى سورة البقرة ، وشرح القلثادى وكثير من المعدودات التى لها شأن ، سبع كسبع سموات ، وسبع ارضين ، والكواكب السيارة ، والاقاليم والايام ، ومقتضى الظاهر ، والبحر مداد بنصب البحر كما قال : ﴿ ان ما فى الارض من شجرة أقلام ﴾ لكن قال : ﴿ والبحر يمده ﴾ لان يمده يغنى عن ذكر المداد ويزيد عليه بالاستمرار التجددى تصريحا ، كما هو المراد بصيغة المضارع ، اى لا يزال يصب فيه ، وليس هذا فى لفظ مداد .
﴿ ما نَفِذَت ﴾ انقضت ﴿ كلمات الله ﴾ ان كتبت بتلك الاقلام وتلك البحور ، وحذف هذا الشرط ، وان شئت فقدر من بعده سبعة أبحر ، وكتب بتلك الاقلام ، وبذلك المراد كلمات الله ما نفدت كلمات الله او علمه ، قال اليهود بعد هجرته صلى الله عليه وسلم ، على ان الآية مدنية او امرو قريشا بالقول : تزعم يا محمد انا لم لم نؤت من العلم الا قليلا ﴿ قل الروح من امر ربى وما اوتيتم من العلم الاقليلا ﴾ وقد اوتينا التوراة وهى الحكمة ﴿ ومن يؤت الحكمة قد أوتى خيرا كثيرا ﴾ فنزل : ﴿ ولو ان ما فى الارض شجرة ﴾ الخ ، فكثيركم قليل بالنسبة الى سعة علمه تعالى .
وروى انهم قالوا : من عنيت بقولك : ﴿ وما أوتيتم من العلم الا قليلا ﴾ إيانا او قومك؟ فقال : ﴿ كلاَّ عنيت ﴾ فقالوا : ألست تتلوا انا اوتينا التوراة وفيها علم كل شئ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « هى فى علم الله قليل » فقالوا : ألست تعلو : ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا ﴾ فقال صلى الله عليه وسلم : « هذا علم قليل وخير كثير » فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿ ولو ان ما فى الارض ﴾ الخ ، وروى ان المشركين قالوا : ان هذا كلام يوشك ان ينفد ، فأنزل الله : ( ولو ان ما الارض ) وقيل : كلماته مقدوراته من اطلاق اسم السبب على المسبب ، إذ يقول لشئ : كن فيكون ، واختار كلمات وهو جمع قلة على كلم الله ، وهو جمع كثرة تلويحا بان كلماته لا تفى بها البحار والشجر فكيف بكلمة ﴿ إنَّ الله عزيزٌ حَكيمٌ ما خلقكم ولا يعْثُكم إلا كنَفس واحدة ﴾ وكذا الخلق كله فى السهولة لكمال قدرته ، وعدم احتياجه الى آلة او كسب ﴿ إنَّ الله سَميعٌ ﴾ عليم بكل صوت ﴿ بَصيرٌ ﴾ عليم بكل شئ من المبصرات ، او بكل شئ ، وقد علم قريش ذلك ، وانما كانوا يقولون اذا أرادو الطعن فى الدين : اسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد حمقا وعنادا ، وفيه نزل :
﴿ وأسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور ﴾ وقيل : نزلت الآية فى أبى بن خلف ونبيه ومنبه ابنى الحجاج وغيرهم من قريش اذ قالوا : ان الله خلقنا نطفا وعلقا ومضغا ، فكيف يبعثنا خلقا جديدا فى ساعة واحدة .