وَلَوۡ شِئۡنَا لَءَاتَیۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّی لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ١٣
الرسم الإملائيّ
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
الجزء ٢١الربع ١٦٦ صفحة ٤١٦
تفسيرها
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ { هدى السعادة، لان هدى البيان قد أوتي كل نفس،﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ثبت قضائي، وسبق وعيدي، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾ وذلك تصريح بعدم ايمانهم لعدم المشيئة والحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة، وعدم تفكرهم فيها لقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ فانه من الوسائط والاسباب المقتضية له؛ ومعناه: تركتم الايمان في الدنيا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم من الرحمة في العذاب ترك المنسي، ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)﴾ كرر الأمر للتأكيد، ولما ينط به من التصريح بمفعوله، وتعليله بأفعالهم السيئة، من التكذيب والمعاصي؛ كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة، والتفكير فيها دلالة أن كلا منهما يقتضي ذلك.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥١٦
قوله : ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ كقوله : ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ . قال : ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ .
ذكروا عن أبي هريرة قال : اختصمت الجنة والنار ، فقالت النار : يا ربّ ، أوثرت بالجبّارين والمتكبّرين . وقالت الجنة : يا ربّ ، ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسُقّاطهم . فقال للنار : أنتِ عذابي أصيب بكِ من أشاء ، وقال للجنة : أنت رحمتي أصيب بكِ من أشاء ، ولكل منكما ملؤها بأهلها . أما الجنة فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ، وينشئ لها ما شاء من خلقه ، وأما النار فيقذف فيها فتقول : هل من مزيد ، ويقذف فيها فتقول : هل من مزيد .
قال : ﴿ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾ أي : بما تركتم الإِيمان بلقاء يومكم هذا ﴿ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾ أي : تركناكم ، أي : في النار ، تركوا من الخير ولم يتركوا من الشر . ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ ﴾ أي : الدائم الذي لا ينقطع . ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي : في الدنيا .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥١٦
﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفْس هداها ﴾ فى الدنيا فلا يكفى احد ، والجملة عطف قصة على اخرى ، او على محذوف ، اى قضينا ذلك ، ولو شئنا الخ وقدر بعضهم قولا هكذا ، وقلنا : لو شئنا او هكذا ، ونقول : لو شئنا ، وعطفه على يقولون قدره قبل قوله : ﴿ ربنا ابصرنا ﴾ وجعله جوابا لقولهم : ارجعنا ، ولذا احره ، ويفيد انهم لو رجعوا لعادوا لما نهوا عنه ، وانهم ممن لم يشأ الله هداهم ، ومعنى هداها ما تهتدى به الى الايمان ، والعمل الصالح ، وفسره بعض بهما .
﴿ ولكنْ حَقَّ القَول منِّى لأملأنَّ جَهَنَّم من الجنَّة والنَّاس أجمْعَين ﴾ سبق قضائى الازلى بلا اول ان يكون المطيع والمعاصى ، اذا خلقت المكلفين ، وان المطيع فى اجنة ، والعاصى فى النار ، وسبق قولى لابليس : ﴿ فالحق والحق اقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم اجمعين ﴾ جوابا لقوله لعنه الله : ﴿ لأغوينهم أجمعين ﴾ ﴿ الا عبادك منهم المخلصين ﴾ وقدم الجنة لتقدمهم خلقه ، ولتقدم ابليس اعاذنا الله منه فى قوله : ﴿ منك ومنن تبعك ﴾ ولأن الجنة اكثر من الناس فى النار ، ولم يقل حق القول منا بالجمع ، كما قال : ﴿ ولو شئنا ﴾ لان قوله : ( ولكن حق القول منى ) بالافراد رد لقول اللعين : ﴿ لأغوينهم ﴾ الخ بإفراد الضمير ، او قال ولو شئنا ليطابق الكثرة فى قوله : ﴿ كل نفس ﴾ وقال : ﴿ منى ﴾ ليوافق ما تلك الكثرة الدال عليه من الجنة والناس ، او قال : منى فى وعيد المشركين ، لئلا يتوهم نوع من انواع الشركة اصلا ، وليوافق التوحيد الذى عدلوا عنه الى ما اوجب لهم الوعيد ، ووحد الضمير ايضا فى : ﴿ لأملان ﴾ لان الملء لا تعدد فيه ، وكذا فى منى ، لان القول لا يحق الا منه .
والايتاء يتعدد بتعدد من يؤتى الهدى ، ومعنى اجمعين انه يجعل فى جهنم نصيبا من الجنة ، ونصيبا من الناس لا من الجنة وحدهم ، او من الناس وحدهم ، ولم يقل كليهما ، بدل اجمعين لان الاصل فى كلا ان تقع على فردين لا نوعين ، فالآية كقولك : ملأت الكيس من الدنانير والدراهم جميعا ، او المراد بالجنة والناس الاشقياء خصوصا ، ومن بمعنى الباء ، او للابتداء ، ولا يلزم من الابتداء بقاء الشئ الا ترى الى قوله : ﴿ لأملان جهنم منك وممن تبعك ﴾ فالآية مثل هذه ، وكأنه قيل : لأملان جهنم بالاشقياء اجمعين من الجن والانس ، وفرع على نفى الرجع الى الدنيا المعلوم مما مر أو على قوله : ( ولكن حق القول منى ) بقوله :
﴿ فذوقوا ﴾ اى العذاب ، وقدر بعض اذا أيستم من الرجع ، او اذا حق القول فذوقوا ، والامر تهديد ﴿ بما نَسيتُم لقاء يومكم هذا ﴾ اى بسبب نسيانكم لقاء يومكم هذا ، ولفظ هذا بدل يوم او عطف بيان او نعت جئ به تهويلا ، وهو واقع على اليوم ، ولك ان تجعله مفعولا به لذوقوا ، واقعا على العذاب ، فلا يقدر العذاب له كما قدرته آنفا ، وما تقدم اولى ، ونسيانهم لقاء اليوم ترك الاستعداد له عمدا لأنكارهم له .
﴿ إنَّا نسيناكم ﴾ تركناكم فى العذاب ، على انه يقال لهم ذلك بعد دخول جهنم ، وان كان قبلها فالعذاب يعم ما هم فيه قبلها ، لا يزول عنهم ، بل يزداد بدخولهم جهنم ، فهم متروكون فى العذاب المطلق ، او اردنا ترككم فى جهنم اذا دخلتموها ، او تركنا فى الوعيد لا نخلفه عنكم ، وفيه المشاكلة لما قبله ، لان كلا من النسيانين ترك ، ويجوز ان يكون الاول الزوال من الحافظة مجازا ، تركوا الاستعداد للقاء ، كأنهم اعترفوا ثم نسوه ، نزلوا الاستعداد له كالشئ المنسى ، والمشاكلة يجوز وقوعها بين المجاز والحقيقة ، مع انه يجوز ان يكون الثانى كذلك مجازا لا حقيقة .
﴿ وذُوقُوا عذابَ الخُلد بما كُنتم تعمْلُون ﴾ تكرار للأول للتأكيد ، ولبيان ما لم يذكر فى الاول وهو العذاب ، وانه دائم ، ولبيان أنهم يستحقون العذاب بما كانوا يعملون من المعاصى ، كما استحقوها بترك التوحيد ، على ان نسيان لقاء اليوم هو ترك التوحيد ، او انكار البعث ، والظاهر ان المراد بنسيان اللقاء هو ما كانوا يعملون ، فلا يزيد الثانى الا بذكر عذاب الخلد .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥١٦