سورة السجدة · الآية ٣ من ٣٠

‹ السورة السابقة
أَمۡ یَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِیرࣲ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ یَهۡتَدُونَ٣
الرسم الإملائيّ

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ

الجزء ٢١الربع ١٦٥ صفحة ٤١٥

تفسيرها

[سورة السجدة — آية 3]

الم(1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴿ فيكون﴾مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴿ معناه: بل يقولون، فإنه إنكار لكونه من رب العالمين، وقوله ﴾بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ{ فإنه تقرير له، ونظم الكلام على هذا أنه أشار أولاً إلى الإعجاز، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكارا له وتعجبا منه، فان أم منقطعة، ثم اضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله وهو المقصود من تنزيله فقال:

{ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴿ أي: لم يأتهم نذير من قبلك، قيل: قال قتادة : » كانت أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم«؛ وقيل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا أهل فترة،﴾لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3)} بإنذارك إياهم. ثم أثبت معنى الربوبية فقال:

}اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} مالكم إذا جاوزتم رضى الله أحد ينصركم ويشفع لكم؛ أو ما لكم سواه ولي ولا شفيع، بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن ما كنتم على طاعته، وان خالفتموه لم يتولكم ولي ولا ناصر،} أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4){ بمواعظ الله!.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٦

[سورة السجدة — آية 3]

قوله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ يعني المشركين يقولون إن محمداً افترى القرآن ، أي : افتعل هذا القرآن ، أي : قد قالوه ، وهو على الاستفهام . قال الله : ﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ يقوله للنبي عليه السلام ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ يعني قريشاً ﴿ مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ أي : منهم ، ينذرهم العذاب ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ أي : لكي يهتدوا .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٦

[سورة السجدة — آية 3]

﴿ أم يقُولُون افتراهُ ﴾ إضراب ابطالى متعلق بقوله : ﴿ لا ريب فيه ﴾ فانهم اثبتوا الريب فى الكتاب وقالوا : انه ليس من الله ، ونفى الله عز وجل ان يكون اهللا للريب ، اى لا ريب فى كونه منزلا من رب العالمين ﴿ بل هو الحقُّ من ربِّك ﴾ عجز البلغاء عن الايتان بسورة منه ﴿ لتُنْذر قوماً ﴾ يتعلق بمحذوف ، اى انزله لتنذر ، او بما يتعلق به من رب ، وهو استقرار الخبر او الحال ، او بتنزيل على جواز الاخبار عن المصدر قبل تمام معموله للتوسع فى الظروف ، على ان تنزيل مبتدأ باق على المصدرية ، اى لتنذر عقابا على تعدية لاثنين كقوله : وهو الرحمن الرحيم فأنذرتكم نارا ، او يقدر لتنذر بالعقاب والقوم قريش .

﴿ ما أتاهم مِن ﴾ صلة فى الفاعل ﴿ نذيرٍ من قبلك ﴾ والجملة نعت قوما ، والنذير الرسول لا مطلق المنذر ، كالعالم ، ولو غير رسول ، لان قريشا لا تخلو من منذر منهم او من غيرهم ، واما الرسول فلا رسول منهم متصديا اليهم قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وكانوا متعبدين بشرائع من قبله ، ولم يهتدوا ، وقصروا فى البحث عما تعبدهم الله به ، وعلى ان موسى وعيسى لم يرسلا الى الناس كلهم ، يكونون متعبدين شريعة ابراهيم واسماعيل ، وقد قيل : لم يزالوا عليها الى ان فشت عبادة الاصنام التى احدثها عمرو الخزاعى لعنه الله ، ولم يبق فيهم الا اقل قليل ، فدخلوا فى قوله تعالى : ﴿ وان من أمة الا خلا فيها نذير ﴾ اى منهم او من غيرهم ، وانقطع الانذار كما تقرر عنهم ، ان حكم نبوة كل نبى ينقطع الا نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم .

قلت : تنقطع ايضا عند قرب الساعة ، حتى لا يوجد من يقول لا اله الا الله ، والذى يظهر انه لا تنقطع دعوة النبى ، بل لا بد من بقاء منذر ولو قليلا فى اهل الفترات ، وقد روى ان زيد بن عمرو بن نفيل من بنى عدى من قريش ، والد سعيد ، اجتمع بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل نبوته وآمن بنبوته قبل مجيئها ، لعلم بها حصل له ، او كان على دين ابراهيم ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات قبل النبوة بخمس سنين ، وقريش تبنى الكعبة ، قالت اسماء بنت ابى بكر : لقد رايت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره الى الكعبة يقول : يا معشر قريش ، والذى نفسى بيده ما اصبح منكم احد على دين ابراهيم غيرى ، وكان يقول : اللهم انى لو أعلم احب الوجوه اليك عبدتك ، ولكنى لا اعلم ، ثم سجد على راحلته ، وكان يعيب على قريش ذبحهم لغير الله تعالى ، ولم يأكل مما ذبحوا لغير الله .

قال ابنه سعيد : قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ان ابى كان كما رأيت وكما بلغت أفأستغفر له؟ قال : « نعم فانه يبعث امه وحده » اى انفراد فى عصره بالايمان ، وليس نبيا كما زعم بعض ، ويشكل على انه يبعث امة وحده بقبس بن ساعدة الايادى ، ولعله بقبس ، فانه مؤمن بالله ، داع الى دينه ، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات قبل البعثة وعمره ثلاثمائة وثمانون سنة ، وقيل ستمائة والله أعلم بالحقيقة .

ولا اشكال اذا اريد بقريش من كان منهم حين بعث الله عليه وسلم ، وقريس هم ولد النضر ، وقيل : ولد قصى : وقيل : ولد فهر ، وقيل : القوم فى الآية العرب قريش غيرهم ، لم يخوا من نذير ولو اسرائيليا ، ولم يتقدم منهم نبى ، وخالد بن سنان العبسى ليس نبيا عند الاكثر ، وما يروى من انه صلى الله عليه وسلم قال لابنته عجوزا « مرحبا بابنة نبى ضيعه قومه » فيه مقال ، وقيل : القوم فى الآية اهل الفتوة العرب وغيرهم ، حتى بنوا اسرائيل اى ما أتاهم نذير بعد ضلالهم رسول ، ويجوز كون نذير بمعنى انذار ، ويبعد ان تكون ما واقعة على العقاب مفعولا ثانيا لتنذر ، اى لتنذر قوما عقابا اتاهم من نذير من قبلك ، او لتنذر قوما العقاب الى اتاهم من نذير ، وممن غير زائدة ، بل للابتداء متعلقة بأتى .

﴿ لعلْهم يهْتدون ﴾ ليهتدوا بانذارك ، او حال كونك راجيا لاهتدائهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٦